أخطأت السعودية الهدف

د. محمود عباس

  مهاجمة الحوثيين، خططت لها منذ شهور،
وإيران تدرك، وأمريكا ما يستروا العملية. قبل فترة حدد البعض من أعضاء الكونغرس
الأمريكي فترة زمنية للمفاوضات الجارية بين إيران وأمريكا، حددت نهاية أيار، وعدلت
إلى 28 من آذار، والتقليص كان على خلفية التطورات الجارية في المنطقة وبشكل خاص في
اليمن وسوريا. ولا شك كانت مباحثات لوزان في سويسرا أخرها، ورغم أن الإيرانيين
ذكروا في منتصف المباحثات أنهم اتفقوا على أكثر من 90% من النقاط، لكن في السياسة
لا تتوج إلا الاتفاق النهائي، والتوقيع، فكل نقص قد تعيد المباحثات إلى نقطة الصفر،
وهذا ما يجري اليوم. 
 الضوء الأخضر جاء من أمريكا، والاتفاق كان مكتملاً مع الدول العربية أو المشتركة
في الصراع السني الشيعي، كتركيا وباكستان.
  لم يكن خوف السعودية من سيطرة
الحوثيين، بقدر خوفها من اجتياح الحدود، أو نهوض شيعيي المملكة مثلما حدثت في
البحرين، وإيران لن تتوانى في دعمهم حتى ولو كان بشكل علني، خاصة إذا كانت السعودية
على المحك.
  تسرعت السعودية، في التصويب، من الرهبة المحاطة بجغرافيتها،
وبالعرش، وتغاضت أمريكا عن هذا الخطأ التكتيكي على مستوى الصراعات في الشرق،
لأجنداتها، ومحاربتها للإرهاب السني، فمصدر البلاء تكمن في دمشق حيث سلطة بشار
الأسد، المسنودة وبقوة من إيران، الطرف الأصعب في تحالف الهلال الشيعي، فعلى الأزمة
السورية، تستند إيران في توزيع مؤامراتها على الأطراف، وبشكل علني في بعض الأحيان،
مثلما فعلتها قبل أسبوع، عند إفراغ حمولة باخرة كاملة من الأسلحة الثقيلة في احدى
الموانئ اليمنية وعلى مرأى من العالم، لدعم الحوثيين، والتي على خلفيتها جهزوا حملة
التوجه إلى عدن للقضاء على سلطة هادي عبدو ربه، والمحذرة من قبل السعودية. وإيران
نفسها التي أغرقت قبل فترة ليست ببعيدة، قطاع غزة في عتمة سياسية واقتصادية، قد
تستمر سنين قادمة، أقحمتها في معركة مع إسرائيل، في زمن غريب وتحت حجج موجودة منذ
عقود، لتميل الإعلام عن جرائم بشار الأسد الكيميائية حينها، وبها قضت إيران على كل
منافذ الشعب في غزة، ومنها المئات من الأنفاق والتي كانت تعتبر شريان الحياة لمجتمع
غزة.
   لا تعير إيران كثير أهمية فيما إذا نجحت خططها أم فشلت، فالأهم أن
السلطة في إيران تغرق أعدائها في مستنقع الصراعات، بعيدا عن أجوائها، وفي كلتا
الحالتين يخسر طرفي الصراع العسكري، ويكسب الهلال الشيعي القوة على حساب ضعف
الأخرين.  
دخلت المملكة إلى مستنقع إيران، ولن يكون من السهل الخروج منه،
فاليمن كانت غارقة فيه، وقضيتها كانت قبل سنتين بين يدي السعودية، أهملتها من جهة،
وساندت الأطراف الخاطئة من جهة أخرى، إما لعدم رؤية واضحة للدروب التي كانت تنهجها
القوى المتصارعة في اليمن، أو أنها نأت بذاتها عن مشاكل اليمن، خوفا من أن تنتقل
إلى أراضيها. تركت سلطة علي عبد الله صالح تتلاعب بالقضايا، وتخلت عن القوى التي
كانت تبحث عن خلاص اليمن من سلطته الشمولية، والإهمال المتعمد فتحت الدروب لإيران
بالتدخل وتغذية الحوثيين، وظهور الشراكة حيث تلاقي المصالح، فيما بعد بينهم وبين
علي عبد الله صالح، في الوقت الذي كانت على المملكة إبقائه على أرضها. والنتيجة
الحالية، حيث انجراف دول عربية وإقليمية إلى الصراع اليمني، ستكون مكلفة جدا، بشريا
واقتصاديا وسياسياً، وسيدفع ثمنها السعودية غاليا.
 ذكرت إيران قبل جلسات لوزان
الأخيرة، أن المباحثات ستختصر على المفاعل النووية الإيرانية، وستعزل عنها القضايا
الدولية الأخرى، وقد رافق هذا التصريح، تصريح وزير خارجية أمريكا جون كيري، حول
إمكانية الجلوس مع سلطة بشار الأسد، وبمعزل عن شخصيته، وقد كانت تلك بداية دراسة
القضايا الدولية بمعزل عن بعضها أو اتفاقيات سابقة جرت بينهم، وقضية الحوثيين وعلي
عبد الله صالح من ضمن الحوارات التي بلغوا فيها مراحل ما، في حال انتهاء الاتفاقية
على المفاعل النووية والموافقة على إزالة الحصار الاقتصادي عن إيران. 
 لروسيا
دورها، وتحركها السياسي والدبلوماسي، لها ثقلها، فلا يمكن تجاوزهما، ولا شك أنها
على علم مسبق بتدخل السعودية، حتى وإن كانت الحجة مختلقة تحت صيغة مطلب الرئيس
اليمني الهارب، هادي عبد ربه، والاتفاق حاصل، إما أنها لا تريد ظهور القلاقل
للمملكة ولها مشاريع اقتصادية على أرضها وتأمل المزيد، وإما أنها متفقة مع أمريكا
مقابل التغاضي عن قضية المعارض الروسي المغتال أمام الكرملين ومعه قضية التعامل في
مشكلة أوكرانيا. ومن المتوقع أن روسيا سوف تساند إدارة أوباما، في الفترة القادمة
ليكسب الحزب الديمقراطي قوة في الانتخابات القادمة ضد الجمهوريين الذين سيحدون من
هيمنة روسيا المتزايدة في الشرق، والنجاح القادم الذي سيحصل عليه تدخل السعودية في
اليمن وبمباركة أمريكا ينصب في هذا التكتيك والتعامل بين أمريكا وروسيا في قضايا
الشرق الأوسط.
 ستكون الحرب الجارية وبالاً على السعودية، ستكلفها مليارات
الدولارات، فعادة الحروب هي من أكثر الطرق نزيفا لاقتصاد الدول، وستؤدي إلى أزمات
سياسية واقتصادية ومن ثم اجتماعية ومذهبية، وقد تؤدي هذه إلى زيادة التوتر في
الداخل من قبل الشيعة والمطالبة بمكاسب في واقع الضعف الذي قد يحصل ضمن المملكة.
ومخطط إيران في هذا تقسيم السعودية إلى جغرافيات ثلاث، وهابية، وسنية معتدلة،
وشيعية. ويبقى السؤال إلى أي مدى دول الخليج وأمريكا والسعودية ناقشوا هذه القضية،
ودرسوا التوقعات القادمة والتطورات المحتملة لكلية مستقبل المنطقة، وعلى رأسها قضية
البحرين وكويت.
ومن الرؤية الأوسع، لا يستبعد أنها ضمن ثورات الشرق المؤدية إلى
إقحام كل المنطقة، وستشمل الملوك مثلهم مثل الرؤساء الطغاة، ورياح التغيير سيعم
الشرق بكليته، فالثورات هي على الأنظمة وليست على السلطات فقط، وستستمر عقود قبل أن
تظهر نتائج مسيرة الشرق نحو الحرية والبناء الديمقراطي والتخلص من الثقافتين
الاستبداديتين الدينية والعلمانية.

د. محمود
عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجابرحبيب منذ بدايات القرن الماضي، والكوردي في سورية متَّهَمٌ سلفاً. تهمةٌ جاهزة، لا تحتاج إلى دليل ولا إلى سياق: الانفصال. يكفي أن تكون كوردياً كي تُستدعى هذه الكلمة من أرشيف الخوف. حكمٌ مؤجَّل لا يسقط بالتقادم. لم ترفع الأحزاب الكوردية، ولا النخب الثقافية الكوردية، شعار اقتطاع الأرض، ولم يُسجَّل في خطابها السياسي مشروع تمزيقٍ لسورية. ومع ذلك، ظل الكوردي يُعامَل…

ريبر هبون تشهد مقاومة الأهالي في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ضراوة غير مسبوقة، أمام تصاعد وتيرة الهجمات التي تشنّها الفصائل المتشددة المدعومة تركيًا والمحسوبة على وزارة الدفاع السورية، بوصف ذلك بداية لمرحلة جديدة ترسم حدودها بوضوح بين الكورد، الممثلين بمشروعهم المتمايز، وبين مشروع الفكر الجهادي الذي ما إن يتوافق مع الخارج، وهذه المرة إسرائيل، حتى يبدأ عملية جديدة بغية إحكام…

د. محمود عباس   ما يجري اليوم في جزيرتنا الكوردستانية ليس نقاشًا تاريخيًا، ولا اختلافًا مشروعًا في القراءة، بل تفكيكٌ منهجيّ يبدأ من العائلة، يمرّ بالعشيرة، وينتهي عند إنكار الأمة ذاتها. هذا النص لا يُكتب بوصفه مقالة رأي، بل يُصاغ كإنذارٍ أخير، قبل أن تتحوّل الجزيرة إلى سردية عروبية جديدة، مكتوبة هذه المرّة بالحبر الكوردي نفسه، وبأقلام تدّعي البراءة وهي…

حسن برو كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مقاومة أهالي حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلى جانب قوات الأسايش، في وجه هجوم شنّته جماعات جهادية وما يسمى بـ«جيش سوريا الجديد» الذي يضم فصائل إسلامية متشددة. وقد سوّغت السلطات المؤقتة في دمشق هذا الهجوم بذريعة أن وجود الأسايش يشكّل تهديدا للمدنيين في مدينة حلب، وهي حجة استخدمت لتبرير حملة عسكرية واسعة…