الواقع الاقتصادي في جنوب-غربي كردستان.. لمحة مقتضبة.. الجزء الأول

د. محمود عباس

 أمام القوة
تقهر الحقائق وتُهضم الحقوق. كردستان حقيقة واقعية: شعباً وأرضاً وتاريخاً، ولكن
قوة مغتصبيها ومصالح الدول الكبرى تُحُولُ دون الاعتراف بحقها وحقيقتها. 
غنى
كردستان بالموارد الطبيعية والأراضي الخصبة، كان من العوامل التي فرضت ذاتها على
البريطانيين والفرنسيين في بدايات القرن الفائت. لا شك كان هناك الخوف من انتقال
المنطقتين الكرديتين الغنيتين إلى جغرافية تركيا المؤسسة حديثاً. علما أن هذين
الإقليمين الكرديين لا يعكسان اليوم جغرافيتهما.
 ولأهمية كردستان الملحقة بالعراق وسوريا حرصت كل من بريطانيا وفرنسا على الاحتفاظ
بها لغناها واستراتيجيتها، فبدون المنطقتين الكرديتين لكان انتدابهما على سوريا
والعراق بدون فائدة تذكر من حيث الثروات الطبيعية. لكانت كلتا الدولتين أي العراق
وسوريا دون الأهمية المولية لهما من قبل العرب والأجانب على حد سواء بعد
استقلالهما. لقد جعل البترول الكردي العراق دولة ذات اعتبار، عدا الثروة الزراعية
والحيوانية والطبيعة الخلابة لكردستان الملحقة بالعراق، وكذلك سوريا استطاعت أن
تكتفي في الأغلب ذاتياً بموارد جنوب-غربي كردستان الزراعية، ولاحقاً البترول
والغاز. وعلى هذا الجزء سنحصر بحثنا التالي. 
جنوب –غربي كردستان منطقة غنية
بثرواتها، ليست فقط من حيث كمية الاحتياطي الضخم للنفط والغاز، بل ثرية أرضها
بالخامات المعدنية وأشباه المعدنية، كالحديد والفوسفات، والنحاس والفحم وغيرها،
إضافة إلى مخزونها بالمياه الجوفية والسطحية وكمية هطول الأمطار السنوية، والأراضي
الخصبة، والمحاصيل الزراعية المتنوعة التي غطت حاجة السكان في كل سوريا من القمح
والشعير والبقوليات أيام الحكم الوطني. وحاليا، لو رفع الحصار عنها، ودُعمت المنطقة
بشكل مناسب لاكتفت سوريا ذاتيا كما كان في السابق، بل لساهمت من جديد في كلية
صادرات الدولة. 
  وهي المصدر الرئيس للدخل القومي العام وبنسبة تتراوح بين
30-50% من الصناعات الاستخراجية، وأكثر من 70% من معظم المحاصيل الزراعية الغذائية
والصناعية، مقابل هذه الغنى تكاد تنعدم الصناعات الثقيلة، التحويلية والتركيبية،
ومثلها الصناعات الخفيفة، كالغذائية والنسيجية، والتي تزخر المنطقة الكردية بكميات
ضخمة من الموارد الأولية إلى جانب توفر اليد العاملة الماهرة والخبيرة بالإضافة إلى
الاختصاصيين. لكن كتلا السلطتين، الناصرية والبعثية الأسدية، أهملتا وعن قصد تنمية
هذا القطاع الاقتصادي. لقد كان بالإمكان تنمية الصناعات البتروكيميائية وإيصالها
إلى السويات العالمية تطويرا وتصديرا، فكل الشروط متوفرة لهذا القطاع، وهي من
الصناعات التي تحظى بأهمية عالمية، وتجلب اهتمام أغلب الشركات العالمية. بالمناسبة
(المناطق الكردستانية الأخرى، وخاصة المستعمرة من قبل تركيا وإيران، تشاطرها النسبة
نفسها من كلية امتلاك الثروات) ومن المهم في هذا المجال التذكير بالتالي (تشير
دراسات عديدة من قبل بعض الجيولوجيين العالميين عن وجود خامات لليورانيوم، في
الإقليم الفيدرالي، جنوب كردستان وبكميات اقتصادية).
  تعمدت الأنظمة العروبية
المتعاقبة على حكم سوريا عدم تنمية القطاعات الصناعية بمجملها، في المنطقة الكردية؛
وعليه فضّلت التخلف الاقتصادي العام للبلاد بمجمله. إن دل هذا على شيء؛ إنما يدل
على اعتراف تلك الأنظمة بكردية الأرض. وجليّ أنها تعترف بها ضمنا، لو أنها كانت
عربية لما أبقت البلاد متخلفة اقتصاديا، ولقدمت كل الدعم، ولوفرت شروط نموها
وتطويرها مثل غيرها من المناطق العربية السورية، مثالا لا حصرا كما كانت عليه منطقة
العلويين سابقا، وواقع الحال يفصح عن نوايا النظام ونهجه المطروح للتغيير
الديمغرافي والإخلال بالنسب السكانية، مع محاولات تجريد المنطقة من
كردستانيتها.
ورغم التهميش المتعمد، ومنذ ظهور الأحزاب العروبية الشمولية،
استخدمت جغرافية كردستان كمنبع لتغذية المصانع في الداخل من الموارد الأولية، ودعم
التطور الاقتصادي العام دون المجتمع الكردي ومنطقتهم، وكانت هذه مبنية على خطط
مدروسة ومسنودة بقوانين، وهي من أحد أهم الأسباب التي أدت إلى إفراغ المنطقة من
ديمغرافيتها ومن خبراتها الذهنية ونزوحها، وبالتالي سهلت عملية الاستيطان المعاكس
في المنطقة، وتغيير ديمغرافيتها السكانية لصالح العنصر العربي. وعلى خلفيتها تحدث
رئيس النظام السوري قبل فترة عن النسبة الديمغرافية الكردية في محافظة الحسكة،
متناسيا التدرج الزمني العنصري المخطط للتغيرات الديمغرافية منذ الفترة الفرنسية
إلى يومنا الحالي. وتبين الإحصائيات الفرنسية والأرشيف العثماني أن نسبة الكرد في
شمال شرق سوريا تتجاوز 80% من مجمل السكان، وفي بعض المناطق كعفرين وديركا حمكو
وشمال سوريا وعلى طول الحدود مع تركيا وبعمق 15 كم تراوحت حسب تلك الإحصائيات بين
90-100%، لكن بشار الأسد أستند على إحصائيات مراكزه الأمنية. ونشر أحد مراكز البعث
في الويكيبيديا، وهي مستسقاة من تعداد السكان بعد تنفيذ مخططات تفريغ المنطقة من
سكانها الكرد، بالرغم من هذا لا تخلو تلك الإحصائيات من العشوائية النظرية. في
إحصائية ذاتية لأحد البعثيين من عرب المنطقة، معتمدة على فترة ما بعد تنفيذ خطة
محمد طلب هلال التي طبقها بشدة نظام البعث وحكم الأسدين على مدى عدة عقود، إلى أن
حققا ما كانا يخططان له. 
  ورغم كل هذه الخطط والدراسات العنصرية، حصل تناقض
بين ما ذكره الأسد عن نسبة الكرد والبالغة حسب إحصائيته 36%
يتبع…
د.
محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
نشرت
في جريدة (بينوسا نو) الناطقة باسم رابطة الكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، العدد
36.


شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…