البحث عن الهوية في كردستان سورية

محمد أمين فرحو
الثورة السورية بدأت بعد معاناة أربعة عقود و أكثر من
خنق للحريات، وكم للأفواه ، وحاول النظام البعثي المتسلط المتعاقب على سدة الحكم في
سوريا تشكيل لون واحد من السياسات ، وفكر آيدولوجي عروبي تعسفي بعثي استطاع الى حد
ما تأجيل كل القضايا بقوة الحديد والنار، بل تمكن من لجم وربط كل المؤسسات الرئيسية
والفرعية بجهة فئوية واحدة، كل هذه السياسات خدمة لنطام أمني  لعقود أربع  تم فيه
طمس الهوية الوطنية وشعور الإنتماء الى الوطن السوري ناهيك عن كل ما شعرت به
المكونات الغير العربية في سوريا من شعور الغربة وعدم الانتماء الى الوطن نتيجة
تراكم هذه السياسات والثقافة الجماهيرية التي سادت هذه المراحل.
البحث عن الهوية وشعور الإنتماء قضايا عانت منها جميع المجتمعات بل حتى أكثر
المجتمعات تطوراً لم تستطع وضع حلول جذرية لها خاصة بعد ثورة التكنولوجيا
والمعلومات والتداخل العظيم بين الثقافات والهجرة ،وكان لإنهيار المعسكر الشرقي
كأحد القطبين الرئيسيين الأثر الأكبر في  تجدد هذه القضايا وطفوها على الساحة
العالمية وأسباب عديدة أخرى لاداع لسردها جميعاً،
وتؤكد الدراسات والبحوث
العديدة (صدام الحضارات، من نحن، العمق الإستراتيجي) وغيرها في هذا المجال سواءً
الإقليمية أو الدولية أن هناك خطر قادم وأزمة في الهوية،وأنه بات لزاماً على كل
الشعوب والحكومات بما فيها من مؤسسات ومراكز البحوث ومختصين التعمق في هذه القضايا
والمحاولة الجادة للبحث عن سياسات وإستراتيجيات تتوائم وتناسب المراحل والأخطار،
والمبنية على أسس رصينة وعلمية ، فالأحساس بالهوية وشعور الإنتماء الى الوطن أصبح
حالة عامة إشتكت منها كل المكونات وخاصة الاقلية منها.
لكن ما كان يشعر به
الكردي في سوريا أصبح شعوراً ممزوجاً بالغربة والعزلة عن الوطن الذي ما انفك يدافع
عنه دوماً وكان له الأثر العظيم في تحريره في بدايات القرن العشرين ، بعد
إ
ارتسام الحدود بموجب إتفاقية سايكس بيكو. وأصبح شعوره بكرديته إنتماءً وفكراً
صراعاً فكرياً ممزوجاً، بين مفهوم الوطنية والقومية، ومفهوم التبعية الحزبية
والحزبية الكردستانية وغدا كنوع من الانفصام في الشخصية خاصة بعد الإنقلاب البعثي
في بداية الستينيات ،وما تلاه من عقود سياسات التعريب والتعبئة الثقافية لأنظمة
الحكم التي مارست سياسة الإقناع بالقوة في سوريا . 
الهوية الكردية في كوردستان
سوريا قد وصلت إلى مراحل خطيرة وخاصة بعد حرب داعش والتغييرات الديموغرافية
السكانية الخطيرة التي آلمت بالمنطقة والهجرة المتصاعدة للكرد فيها إلى الدول
الإقليمية والغربية في مقابل الهجرة الداخلية للمكونات الأُخرة إلى هذه المناطق،
كما أن السياسات المتبعة للحد في هذا المجال معدومة بل العكس من ذلك دفعت بعضها أي
السياسات مثل (التجنيد الإجباري وفقدان التوازن بين القوى الداخلية )بالإضافة إلى
الظروف الأمنية والإقتصادية وفقدان الجماهير للثقة والأمل في توصل أطراف الحركة
الكردية إلى إتفاقات جادة دفعت بالوضع إلى المزيد من التعقيد وبذلك تعددت الهويات
وإختلطت بين وطنية وقومية وأيدولوجية وحزبية وفئوية وهي مرشحة إلى أكثر من ذلك
.
مما لا شك فيه ان للقوى الكورستانية أيضاً الأثرلما آلت اليه الاوضاع  وخاصة
من تبعية سياسية وحزبية و التي لم تبنى على استراتيجية بعيدة المدى بل كانت وما
زالت اسيرة الملفات الحزبية والاقليمية و الدولية ،والتي بحد ذاتها هذا الملفات 
كانت لها الدور الاكبر في تجزئة كوردستان.
فهل أصبحت الأرض التي نتغنى بها لعنة
لقاطنيها وهل عُدتْ القومية والوحدة الفكرية خطراً على الهوية الحزبية والأيدولوجية
المتخشبة.
 أين الشعب الكوردي في هذا الجزء من الشعور بالانتماء؟ أين نحن ماضون
بسياستنا التي تزيد هذا الشعب يوماً بعد آخر غربةً وإبتعاداً؟هل ستكون هذه الاحزاب
حكام الأبنية و الشوارع الخالية من قاطنيها؟ .
لنبحث عن هويتنا ولننمي شعور
الإنتماء، فما نبحث عنه يعنينا جميعا، ولم يعد الوضع يتحمل اكثر بعد كل هذه
التعقيدات التي اَلمت بالثورة السورية وما تفرزه من ملفات كانت مكبوت بالقوة
.
الحاجة الأكثر إلحاحاً في هذه المرحلة البحث عن الهوية الكوردية
والكوردستانية،وما يخصنا  هنا هو السياسات  الكردية وتأثيرها على الهوية وشعور
الأنتماء للشعب الكردي بكل أجزائه وخاصة بعد الربيع المتقلب .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…

صلاح بدرالدين الى الاعلامي المميز، والمثقف السياسي الصديق العزيز شفيق جانكير – بافي آيندة – اتذكر قبل عشرين عاما عندما قررت مواجهة المستحيل، باصرار منقطع النظير، على وضع اللبنات الاولى لموقع اعلامي مستقل وملتزم بالمسلمات القومية والوطنية، في الساحة الكردية السورية، التي كانت تشهد ظاهرة تكاثر الولادات القيصرية للتعبيرات الحزبية، وذروة صراعاتها، عشية ازدياد مخاطر الاختراقات الامنية في جسد الهياكل…

كفاح محمود لا يمكن فهم القصف المتكرر على إقليم كوردستان بوصفه مجرد رد فعل أمني أو ارتداد عابر لصراعات المنطقة؛ فهذه الهجمات، التي استهدفت خلال سنوات طويلة المطارات والفنادق وحقول النفط والغاز والبنى الحيوية، تكشف عن هدف أبعد من التخريب المباشر: كسر نموذج مختلف داخل العراق، فالإقليم لم يعد في نظر خصومه مجرد مساحة جغرافية، بل صار تجربة سياسية واقتصادية…