عـصا المحقق السحرية .. وشيء من الذاكرة ….

دهـام حسن

قال لي أحـد الأصدقاء : دعيت إلى قسم التحقيق ، فلفت نظـري وجود لـوحـة معلقة على الجـدار في غرفة المحقق ، مدبجة بالآية الكريمة : “إن جاءكم  فاسـق بنبأ فتبينوا” ..

واستطرد قائلا : لا أخفيكم أن هذه الآية بعثت في نفسي شيئا من الراحـة والطمأنة ..
أتمنى من كل محقق أن يقتدي بنص الآية الكريمة عند استجواب الماثل أمامه ، سواء أكان  شاهـدا أم مشتبها به ، وألا يتسرع في حكمه ، فلديه من السبل والوسائل الحـديثة ما تمكنه من  الإحاطة بالموضوع وكشف ملابساته ، وإظهار الحق ، وإنصاف الماثلين أمامه بالتالي ..

نتمنى  على المحقق الأمني أن يتحرى، أن يتقصى ، أن يتبين ، قبل أن يقدم على استدعاء أحـد ما ، وترويع أهله ، ثم  يتبين فيما بعـد أنه بريء ، أو  ليس هو المطلوب ، أو أن التهمة ملفقة للإيقاع  به ؛ نتمنى من المحقق أن يعمل عقله وألا تسبق “يده الفما” .

أي ألا يستخدم عصاه السحرية  لانتزاع اعترافات قد تكون مغلوطة بالأساس ، أو منتزعة تحت لهب السياط ، عليه ألا يـدخر  الوسائل الأخرى – غير التعذيب – للوقوف على الحقيقة ..


كثيرا ما نشاهد في الأفلام الأجنبية ، وحتى المصرية ، أن شخصا ما يعترف باقترافه جريمة ، للتستر على الفاعل الحقيقي ، فلا يقتنع التحقيق باعترافه ، ويظل يتابع ، ويدقق ، وينقب ، حتى  يكتشف الفاعل الحقيقي ، لأن  لديه من الأدلة والأسباب ما تجعله  يرتاب في أقوال المحقق معه..

هذا هو واجب المحقق الفطـن المنصف الشريف… لماذا هـذا الموضوع ؟ لأنني شاهد على  بعض الحالات ، وكنت أحـد ضحايا تحقيق أحمق جائر ، جرى ذلك في عام 1962اعتقلت وأنا طالب في الإعدادية مع زملاء آخرين إثر كتابـات على حيطان إعدادية المعري في عامودة – الآن أصبحت ثانوية – يوهم ظاهر بعض الشعارات المكتوبة ، أن كاتبها من تنظيم  شيوعي ، لماذا ؟ لأن أحد الشعارات كان يحمل هذه العبارة “عاشت الشيوعية” لكن لو كان المحقق واعيا  منصفا ، ملما بالواقع السياسي ، على معرفة بدائية ببرنامج الحزب ، ذا ضمير حي وحر، وبحل من الإيحاء الخارجي ، يعمل بوحي من ضميره وقناعاته فحسب ، لدرس الحالة من كافة الجوانب ، ولسأل نفسه ماذا يجني هؤلاء الأطفال من تلك الكتابات ؟ بل ماذا يحقق تنظيمهم من هكذا تصرف ؟ ولو دقق في سائر الكتابات الأخرى ، كان لا بد له أن يرتاب في الأمـر  واستدرك ما ذهب إليه  ظنه في البدء ولرأى – بالتالي – أن في الأمر مكيدة ، كما أن بعض العبارات حوت شتائم سوقية بذيئة ، يأباها الذوق العام ، وكانت بعيدة عن أخلاقنا وشيمنا نحن القادمون من الريف النظيف مغمضين ، كما أن بعض الشعارات تضمنت سقوطات “يسقط….

”  لم يقرها منهاج الحزب..

المهم جرى ما جرى ؛ الضريبة كانت قاسية ، السجن والتعذيب وكان  آخر عهدنا بالمدرسة أنا والصديق المرحوم ممدوح  بيجو أبو حبيب ، ولم  يغير من الواقع مجيء أهل المغرر بهم ، الذين دفعوا للكتابة بإيعاز ، جاؤوا بعد حوالي ربع قرن يستسمحون ويعتذرون من أحد الأصدقاء ، ظنا منهم أن القدر انتقم لنا نحن الصبية الصغار منهم لما كادوا لنا ، لما فجعوا بعزيز صحوة ضمير واستسماح بعد حقبة من الزمن سامحهم الله جميعا ….

وللذكرى  والتذكير وللحقيقة أقول بعد اعتقالنا بإسبوع تجددت الكتابات في المدرسة ذاتها للإيقاع بآخرين ، ومن مشرب سياسي آخر ، وألبست التهمة لأبرياء جدد التحقوا بنا في السجن ..

أعود لأقول…..

أما يحمل المحقق وزر تحقيقه ؟ … ما كدت أفرغ من كتابة هذه المادة ، حتى فاجأني صديقي كعادته في تهكمه قائلا: ومتى كان المحقق يبحث عن الحقيقة ؟ فقلت له لو أنك أنذرتني منذ البداية بهذه المشورة لما تكلفت بكتابة هذه الزاوية ……

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في مقالتها الأخيرة بالعربي الجديد ( عن نقاش المواطنة والأقليات في سورية ) ٥ \ ١ \ ٢٠٢٦ ، تعتبر الكاتبة السيدة سميرة المسالمة ” انني قولت مالم تقلها ” في ردي المعنون ” اعلى درجات التمثلية القومية ” المنشور بتاريخ ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥ ، على مقالتها السابقة : ” “مواطنون في دولة سورية… لا مكوّنات ولا أقليات”…

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…