الديموقراطية والصراع السياسي الكوردي

جان كورد

يحاول الكورد السوريون منذ اندلاع الثورة السورية قبل أكثر من 3 سنوات التوصّل إلى “اتفاقات سياسية” فيما بين أحزابهم التي تكاثرت عبر عقودٍ من الزمن في ظل سلطة فاشية قمعية بعثية وعلى رأسها شخص فقد الارتباط بالواقع السوري وهو مستعد لمسح سوريا كدولة من الخارطة مقابل بقائه رئيساً ولو على ضيعته “قرداحة” فقط. ورغم كل الأجواء المتلبدة بغيوم المشاكل المتعددة الوجوه التي يعاني منها شعبنا الكوردي، من جراء الحرب المدمرة في البلاد، وتنفيذ البعض مخططات أعداء الكورد وكوردستان التي تستهدف تفريغ سوريا من الكورد، فإن “قيادات” الأحزاب الكوردية لم تتمكن حتى الآن من وضع حجر أساسٍ لاتحاد قومي ضروري يساعد في وقف عملية تغيير البنى الديموغرافية في المنطقة الكوردية في شمال سوريا.
وذلك لأن الأهم لدى هذه القيادات -كما يبدو- ليس وقف الهجرة والتهجير أو إبعاد خطر الإرهاب الداعشي الخطير عن أرض الآباء والأجداد أو مساعدة اللاجئين المشردين ووقف وقوعهم في أيادي عصابات الإجرام التي تتسبب في غرق شبابنا في عرض البحر أو موتهم جوعاً في غابات بلغاريا وعلى حدود اليونان أو قتلهم من قبل الجندرمة التركية على حدود سوريا، وإنما الهم الأكبر لهذه القيادات حصة هذا الحزب أو ذاك في هذا التحالف أو ذاك المجلس، والقدرة على انتزاع أكبر عددٍ من الكراسي يعني قدرة  الرئيس على قيادة الحزب… ويستنتج من ذلك أن نجاح الحزب مرهون ببقاء رئاسة هذا الشخص أو ذاك.  ومن المعيب حقاً ألا نرى ولا نسمع عن استقالة أمين عامٍ واحد معترفاً بفشله، رغم كل النكسات والنكبات والتراجعات التي حدثت في تاريخ هذه الحركة في السنوات العشرين الماضية.
الديموقراطية لا تعني توحّد الآراء والمواقف والسياسات وضم مختلف الفصائل في إطارٍ موحد وحزمها في حزامٍ واحد، وإنما تعني تنظيم العلاقة سلمياً بين مختلف القوى المتصارعة واحترام مواقفها وأساليبها التي لا تحث على العنف ضد المعارض والمخالف، وعليه ليس من مهام رئيس الحزب وقيادة حزبه السعي باستمرار لتشكيل الاتحادات وتوحيد الخطاب والمواقف بالشكل الذي فيه إرغام وإكراه، أو “اتفاق على مضض” وإنما حل مشاكل الشعب وقيادة الشعب وتمثيل الشعب، وهذا على قاعدة احترام الصوت الانتخابي الذي يبين الحاكم كما يبين المعارض.  ولكن الأجواء السائدة في سوريا لا تساعد كلياً على خوض المعارك الديموقراطية السياسية فيفترض التوصل إلى “توافق” وطني كوري، في الحيز الذي يزعم البعض أنه مساحة محررة ولها إدارات ذاتية وحكومات وجيش وشرطة ومحاكم… وهذا التوافق المأمول لا يعني التخلي كلياً عن أسس الديموقراطية كما لا تعني “وحدة قيادة الشعب” أيضاً، ويجب ألا يتحوّل التوافق إلى مجال لتواجد قوة سياسية متسلطة لوحدها على النظام السياسي في المنطقة.
لذا، فإن الخطة الكوردية السورية لمواجهة خطر إنهاء الوجود الكوردي يجب أن تكون من 3 بنود:
أولاً: السعي الجاد والسريع لصهر الأحزاب المتشابهة نهجاً وسياسة طوعاً واختياراً فيما تم تحقيقه من تقارب تحت مسمى “المجلس الوطني”، بعقد مؤتمر شامل لهذه الأحزاب الراغبة، ومن ثم العمل من أجل توحيدها على شكل حزب المؤتمر الهندي مثلاً، وذلك لبناء معارضة كوردية ديموقراطية فعالة سورياً. 
ثانياً: التعاون مع حزب الاتحاد الديموقراطي وتشكيلاته، المختلف فكراً وسياسةً وأهدافاً عن أحزاب المجلس الوطني، على نقاط معدودة أساسية فقط، وحيث أن التعاون لا يشترط وجود هيئة سياسة مشتركة، لذا يجب أن يظل التعاون ضمن دائرة هذه المتطلبات حالياً:
رد عدوان الإرهابيين 
طرد فلول النظام من المنطقة الكوردية 
مساعدة المواطنين للتشبث بأرضهم 
عودة اللاجئين إلى منازلهم دون خوفٍ من قمع أو اضطهاد
ثالثاً: التمهيد لانتخابات ديموقراطية نزيهة في المنطقة الكوردية.  بمعنى القبول بمبدأ وجود حاكم ومعارض، وإفساح المجال أمام العمل السياسي في حرية وكذلك العمل الإعلامي والنشاط الاقتصادي وترسيخ المؤسسات الثقافية والتعليمية والقضائية والبوليس بالاعتماد على ما هو موجود فعلاً على أرض الواقع مع الحرص على أن تكون مؤسسات غير خاضعة لأيديولوجيات حزبية، وإنما خاضعة لرقابة برلمان ولإدارة حكومة “محلية” كوردية، ترعى حقوق الأقليات المتواجدة في المنطقة على أساسٍ عادل من المساواة وحقوق الإنسان.
التعامل مع مختلف المنظمات الدولية والتابعة للاتحاد الأوروبي وكسبها للمساهمة الفعالة في تطوير العمل الديموقراطي والمؤسسات المجتمعية، من خلال تفعيل ودعم ممثليات الحركة السياسية الكوردية خارج سوريا وحثها على العمل المشترك في سائر المجالات.  
برأيي إن سعي المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديموقراطي من أجل  إيجاد “هيئة سياسية عليا ومشتركة” لن ينجح وقد يأتي بنتائج سلبية لدمقرطة الحياة السياسية في المنطقة الكوردية  لأن النجاح في ذلك سيخلق سلطة وحيدة لا معارضة لها، وعندها ستتولد أحزاب أخرى خارج هذه الهيئة العليا، وعليه يمكن إفساح المجال الآن لوجود عنصرين مختلفين تماماً فكرياً وإلى حدٍ كبير سياسياً في هذه المنطقة، أي (المجلس الوطني/ الكوردستاني) و(حزب الاتحاد الديموقراطي / مجلس شعب غرب كوردستان)، وآمل أن يتم التركيز على نقاط (تعاون) عوضاً عن التشديد على ضرورة (إيجاد هيئة تمثيلية عليا للطرفين)، وإفساح المجال من الطرفين للعمل الديموقراطي والصراع السياسي الذي يسمح بممارسة اللعبة الديموقراطية ودعم الحوار بين كل مواطني المنطقة الكوردية ونبذ العنف السياسي، كما يدعم التفاعل الإيجابي بين الحركة القومية الكوردية والمعارضة الوطنية الديموقراطية السورية.  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…