القوة بين الله وأميركا

 إبراهيم محمود  

  
ما أقرب المسافة بين القوة التي تحكم عبر شخص
معين، أو سلطة يتمثلها، وقوة مضروبة جذورها في الغيب، لأن الغيب هذا لا وجود له،
ولم يكن له وجود إلا في وبوجود الذين يمثّلونه أو يشيرون إليه، بينما القوة
بطابعها الدنيوي فتغلق على الأخروي، وإن كانت تبقي علاقتها به قائمة بصورة ما. 
الضعفاء، أو المستضعَفون لأكثر من سبب،
ومنهم، ومن بينهم، وفيهم، كُرد” الكرد عموماً “، يجدون أنفسهم، وهم
يتنهدون ويتحسرون ويتأوهون، إذ يشهقون ويزفرون قهراً، مضطرين إلى قول: لا حول ولا
قوة إلا بالله، لكنهم، وإن لم يقولوا صراحة بالمقابل، يجدون أنفسهم وفي العقود
الزمنية الأخيرة أسرى قوة لا فكاك منها: قوة أميركا” الولايات المتحدة
الأميركية “، والتقدير هو: لا حول ولا قوة إلا بأميركا .
أهو تجديف ؟ عذراً من أولي الكرد المتدينين
الأفاضل، القليل من التروي للتمييز: أليس التجديف تجاوز المحدود والمنبَّه إليه
بعدم تجاوزه ؟ وإذا كان الأذى جلياً، والخطر مستفحلاً، وباسم من يحذَّر منه، أليس
من الضرورة التنبه إلى هذا التناقض المهلِك، إلى هذا الضرب الصادم لمن يعنيه أمره
وينجرح به ؟ 
في الحدث التاريخي المعاصر، الحدث الذي لا
يعايَن باعتباره أكثر من الحسي، والطازج جداً، لا يبدو أن أميركا” العم سام
” معنية بالشأن الكردي كقضية معتبَرة، إلا من الزاوية التي تجد فيها أن أي
طرف أو شعب، يمثلّل الخميرة المطلوبة لـ” لبن ” مصلحتها . فما أكثر طعان
أمير للجسد الكردي . 
صحيح أن أميركا هبَّت وبشكل مباغت لنجدة
الكرد؟ ولكن بعد فوات الأوان، وتبعاً لتخطيط دقيق، فالنجدة هذه جاءت وهي لما تزل
قائمة بمعايير أميركية، إذ رغم مرور شهر على المسمى بـ ” التحالف ” ضد
الإرهاب، أو داعش وما يرادفه، ليس في الوسع الحديث عن ثمار التحالف ولو في الحد
الأدنى إن روعي حجم الخطر وفظاعة الجرائم، من شنكال إلى كوباني، أم أن علينا أن
نغض الطرف عما يجري، واللعبة المفعَّلة على رؤوس الأشهاد حيث الكرد باتوا في أكثر
من مرمى داعشي وغيره ؟ 
لعلها المصلحة التي تتجاوب مع خاصيات عصر ما
بعد العولمة والمؤمركة والمفبركة، والكرد هم الضحية الدسمة المقدمة” كما هي
البقرة الذهبية اللون على مذبح شهوات ألآخرين: ممن يقولون: لا حول ولا قوة إلا
بالله، وممن يقولوا : لا حول ولا قوة إلا بأميركا ضمناً، ليظهر الكون مسرحاً لعنف
مرئي  ولامرئي. 
قلنا، لنقل: إن الجاري في شنكال: كان خطأ في
الحساب الكردي، وسوء الاتكال على العم سام جرّاء طيب الكرد، ماذا نسمي الجاري في
كوباني بعد ” جلسة تحضير الأرواح الخاصة بدول التحالف ” المضادة للإرهاب
وداعش ضمناً ؟ هل الخطأ في الحساب الكردي مجدداً، إن افترضنا ذلك، أم في انزياح
المشهد، والترجمة السيئة للجاري عولمياً على الأرض التي ” تتكلم ” كردي،
لتكون هدف داعش وغير داعش، بقدر ما تكون مسرحاً متفقاً عليه بين رموز التحالف ودول
الجوار المتقاسمة لكردستان وتركيا في الواجهة ؟ 
هل أصيبت أميركا العم سام بالعشى الليلي، ليعقبه
عمى نهاري متناوب جرّاء هذا القصف الذي يتجنب الكثير من النقاط التي ينتشر أو
يتواجد فيها الداعشيون باعتبارها كردية، ليصبح الظن يقيناً، وهو أن البعد المدعشن
في أميركا ومن مع أميركا، ليستمر نزيف الدم الكردي، كما هو النزيف الآخر للثروات
في الأرض الكردية وغيرها: النفط في الواجهة؟ وكأن المستدرَجين إلى جحيم اللعبة هم
الكرد لا الداعشيون! 
يظهر أن الجسد الكردي ” المدهن ”
لما يزل مطلوباً في البازار الدولتي، العابر للحدود، لتكون هناك صفقات وصفقات بين
دول تواجه الإرهاب على طريقتها، ودول تسكت عما يجري على طريقتها، وفي الوسط الدم
الكردي المراق ؟! الكردي المهموز بعلامة المرتد دينياً، والمراهن عليه عولمياً . 
ربما علينا انتظار المزيد من الضحايا، من
الرؤوس المقطوعة للكرد على تكبيرة داعشية: الله أكبر، والمزيد من الضحايا الكرد
أكثر من غيرهم ” لأن عدد الذين سقطوا ضحايا الغزو الداعشي أو بالترافق مع
غزوه، أظنه أكثر من قتلى داعش “، انتظار المزيد من الوقت، لنسمع صوت طنجرة
اللعبة البخارية المؤمركة لنشهد طوراً جديداً من اللعبة، دون أن نعلم متى وكيف،
سوى أننا على بينة تامة، أن الدم الكردي لما يزل مطلوباً، وأن رائحة الدم الكردي المسفوك
لما تزل مطلوبة، وأن نهب البيت الكردي لما يزل مطلوباً، وأن النساء الكرديات لما
يزلن تحت الطلب من قبل أخوة داعش في الدين، وربما حسب المواصفات وعلى الدور.. أهو
تجديف آخر ؟ 
لا أجد فكاكاً من سخرية شاعرنا الكردي الكبير
جكرخوين، ودلالة ما قام به، وهو في مجلس أنس كردية ” أم شبيهتها “، إذ
طُلب منه أن يوزع ما سلّم إليه على الحضور كما يريد الله: فكان هناك من أخذ
الكثير، ومن أخذ القليل، ومن لم يأخذ شيئاً .. 
السيدة أميركا، تظهر وكأنها تحسب كما تريد،
في جلسة أنسها الكوكبية، وهي تمنح كل اهتمام لمن تريد، وتؤاسي من تريد مع بعض
الأعطيات، وتهدد من تريد، وتعدُ من تريد مع بعض الهبات دون ضمان التعرض لمآس
وويلات..هل من داع ٍ للتسمية ؟ 
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…