استحقاقات الجغرافيا السياسية في غربي كردستان : البارزانية من حالة حزبية …. إلى مشروع وطني كردستاني

  عبدالرحمن كلو

لا شك أن الحزب الديمقراطي الكردستاني – عراق ، له تاريخ طويل مع واقع الحركة السياسية في كردستان سوريا، وتعود العلاقة إلى مرحلة ما قبل التأسيس إذ بدأت مع نضالات البارزاني مصطفى والبارزانيين في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين وترعرعت ونشأت في ظل قيادة ثورة أيلول التاريخية، وعلى حرارة وهج نيرانها بمواكبة جدلية يصعب الفصل بين طرفي العلاقة، حتى باتت نضالات الحزب الديمقراطي الكوردستاني-عراق جزءاً حيوياً من الواقع السياسي الكوردي السوري في أصعب الظروف وأكثرها حساسية وفي كل المفاصل،
وكان لهذا الحزب حضوراً واقعاً متميزاً، له من التأثير ما يغير في المعادلة السياسية والحزبية الكردية السورية في كل محطة أو موقف، وبالرغم من أن العلاقة مرت بالكثير من الحالات التواترية صعوداً وهبوطاً بحسب الظروف السياسية التي مرت بها المنطقة عموماً وكردستان خصوصاً إلا أنها بقيت  قائمة وعلى درجة كبيرة من الارتباط المتداخل، ويمكن التذكير بمختلف مراحل  هذا الارتباط:
1-  مرحلة حركة خويبون و ومرحلة ما قبل التأسيس والثورة.( المرحلة التي أسست للفكر القومي الكردي )
2- مرحلة الثورة الكردية (وهو موضوع بحث خاص) .
3-  مرحلة ما بعد انهيار الثورة الكوردية عام 1975  وحتى الانتفاضة الكردية عام 1991وما تلاها من قرارات أممية واستقرار .
4- مرحلة الصراعات الحزبية والاضطرابات في الاقليم وتداعياتها على الحالة السياسية الكردية السورية حتى عام المصالحة بين الحزبين الرئيسيين 1997 .
5- مرحلة الادارة المناصفاتية بين الحزبين الرئيسيين حتى سقوط النظام في العراق عام 2003.
6-  مرحلة  الاستقرار السياسي والاقتصادي لإقليم كردستان بعد سقوط نظام صدام حسين ومنظومة مؤسسات دولته الفاشية .
7- مرحلة الثورة السورية والاصطفافات السياسية الجديدة لأطراف الحركة السياسية الكردية .
وبالرغم من الضعف التدريجي لهذه العلاقة  في العقود الأخيرة – لأسباب موضوعية يمكن البحث فيها في مجال آخر- فهي اليوم تعود بقوة أكبر وتأخذ أبعاداً سياسية أوضح.
كما ومن خلال تاريخية هذه العلاقة يمكن الكشف عن حالتين اثنتين لشكل جدلية الارتباط مع الديمقراطي الكردستاني – عراق:
·  حالة عاطفية وجدانية مشاعرية لدى معظم الشرائح الاجتماعية من الجيل الأول الذين عاصروا ثورة أيلول وواكبوا نضالات المرحلة بقيادة البارزاني على الصعيدين العسكري والسياسي في كوردستان العراق، تحولت هذه الحالة إلى ظاهرة تاريخية يمكن تسميتها بحالة الانتماء العقائدي بحكم تجذرها التاريخي.
·  أما الحالة الثانية فتتمثل بالجانب السياسي وراهنية العلاقات الحزبية بين الديمقراطي الكردستاني من جهة وبين أحزاب الحركة السياسية الكردية في سوريا من جهة أخرى، على قاعدة المصالح الحزبية والمواقف من المشاريع الاقليمية والدولية وتداعياتها.
والعلاقة بشقيها ساهمت إلى حد كبير في إصطفافات التيارات السياسية لأطراف الحركة في غربي كردستان، وفي ظل مفاعيل الأزمة السياسية في سوريا بات الواقع السياسي الكردي محكوماً بثوابت الجغرافيا السياسية مع جنوب كردستان من جهة ومن جهة أخرى محكوماً باستراتيجية عمل وطني كردستاني متميز، وما نحن بصدده الآن هو الوقوف على راهنيه العلاقة السياسية بين الديمقراطي الكردستاني – عراق وأطراف الحركة السياسية الكردية، في ظل الأزمة السورية الحالية  وتداعياتها في العمق الاقليمي للجوار السوري، فعند الحديث عن الحزب الديمقراطي الكردستاني وعلاقته بالحراك السياسي في غربي كردستان، يعني الحديث عن إقليم كردستان وقيادته السياسية أو بعبارة أدق يعني الحديث عن نهج السيد رئيس إقليم كوردستان وعلاقته بكورد سوريا، ومشروعه السياسي، كما أن الخوض في تفاصيل أي مشروع لا بد من التذكير بالمشاريع والاصطفافات السياسية وتقاطعات المشاريع الدولية والإقليمية ، (والتي قمنا بشرحها تفصيلاً  في بحث آخر ).
في الماضي وفي مختلف المراحل السابقة التي تم ذكرها ، كان يمكن الحديث عن علاقات وتقاطعات حزبية بذاتها في أطر معينة ومحددة، لكن الآن وفي زمن ديناميكية العامل الاقليمي والدولي، زمن إعادة ترتيب المنطقة جيوسياسياً لا بد من تناول المسألة على نحو مغاير تماماً فالمسألة تجاوزت المسافات الحزبية بكل المقاييس، إذ نحن أمام استحقاقات الجغرافيا السياسية، وسايكس بيكو  بحدودها التقليدية باتت هشة إلى درجة أنها تنتهك كل يوم من جانب أطراف الصراع، وهي قاب قوسين أو أدنى من الانهيار والعودة إلى حدود المكونات القومية والطافية، وهذا ما يلزمنا بالسير نهجاً في مشروع وطني كردستاني متكامل بأبعاده الجغرافية – السياسية بقيادة السيد رئيس إقليم كوردستان، إذاً فالحديث بات عن حالة وطنية كردستانية بمشروع استراتيجي بقيادة كردستانية ، ومن الخطأ القاتل تناول المسألة على أنها حالة تحالفات حزبية، والعقدة التي تحاول وقفت حركة المنشار هي ممارسة السلوكية الحزبية من قبل بعض الأوساط التقليدية، وعليه فهم يعملون بالضد من البارزانية نهجاً وروحاً، فالبارزانية إذا ما كانت مشروعا حزبياً أو حالة حزبية في زمن ما أو في مرحلة ما، فاليوم الأمر يختلف تماماً فهي لم تعد ذاك المشروع الحزبي بل أصبح مشروعاً وطنياً كردستانياً بقيادة زعيم تاريخي نشأ مع الثورة وعاش معها  ويمتلك موروثها النضالي التحرري، وأصبح الآن رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية والدولية، فكل انحراف عن نهج البارزاني يعني تقزيم وتشويه المشروع الوطني لحسابات خارج السياق الوطني الكردستاني، لأن المشروع الآخر المعادي للمشروع الوطني الكردستاني لن يقف متفرجاً بل سيعمل مع الحلفاء السابقين والحاليين للأنظمة المعادية للمشروع القومي الكردي، وسيعمل على تطويع الارادات السياسية بقوة السلاح وتوجيهها باتجاه آخر، وعندها قد نفتقد القدرة على النهوض.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…