محنة الكُردي بين التاريخ والنسيان

 ابراهيم محمود

   ( إلى “بركات عيسى” شاهداً على حزن شنكَال العميق ) بين أن ينسى الكُردي ما عاشه، وأن يؤرخ لما عاشه تستمر محنته، محنة تستقطر أخرى تباعاً . محنة تخص ضراوة الوقائع، وليس لأن هناك ما يتم نسيانه، فكل الوقائع فظائع بامتياز، وإنما لأن هناك ما يكون في واجهة الذاكرة، فيكون تاريخاً يعمُّ كل تاريخ . وإذا كان لشنكال الذاكرة، أن يتقدم بسجل حافل بالمحن التي تسمّي في أسفاره وأغواره، كرديَّه التليد، كرديه الإيزيدي في العمق، سجل “فرماناته” التي طالته في كل مقدساته: نفَساً ونفْساً ونفيساً، أرضاً وعِرضاً على مر عصوره، فإن للإغارة الداعشية عليه في مطالع آبه الشديد الخصوصية، لون المذبحة، ومقام الجريمة الإنسانية المنظَّمة .
 وإذا كان لكل لغة فائض عنف، كما يقول أهلها، فإن للكردية، وكلغة ممزقة كأهلها، في جغرافيتها الكردية الممزقة أيضاً، فائض محن، تكون ترجمان ” عِنفات ” لم تستثن فيها كلغة ومن خلالها، كتابة، قليلاً، وشفاهة كثيراً جداً، ما يثقِل على الجغرافيا ذاتها، أما التاريخ، فلا بد أنه الامتحان الأصعب في أن يدوَّن باسمه ما عاشه شهود عيانه الكرد، وإيزيدييه في الصميم .

 كشاهد عيان على شهود عيان، ليس في الوسع، ولا في مقدور الوصف، الإحاطة بهول الجرح الروحي الكبير وهاويته الدامية للكردي الإيزيدي منذ مذبحة حلبجه ” وهذه أختها الكبرى الكبرى “، ليس في إمكان أي شنكالي أن يترجم بأمانة ما عاشه من ألم، وما أصابه من مأثور ألم، وما أودِع فيه من ألم جرّاء مشاهداته المرعبة، حيث تنوعت الميتات، ليس لأنها تفتقر إلى الأمانة في الترجمة، بالعكس، لأنها تكون على غاية من النزاهة في المكاشفة والمقاربة، وفي غاية من الدقة في المعاينة، فلا تمتلك من المفردات، والنبرات، والتشكيل، ما يمثّل الحد الأدنى من المصاب الجلل شنكالياً .
 أسمّي ذلك بالاسم الجغرافي والصنافي والنوعي، ليس تجاهلاً لجرح أي ضحية داعشي، من أبناء وبنات أمم الأرض الأرض، أو شعوبها في المحيط أو في الجوار، فلكل جرح خانته هنا ! لعل اللغة لا تترجم إلا ما تقدِر عليه ، وما الذي في مقدور الكردية كلغة أن تحيل هذا النهر الهادر والفائض من الأوجاع والآلام والصرخات المكبوتة، ولكل صرخة زمرتها في الإيلام، في الجزء من الثانية، والرؤية، والتوقيت، والتوصيف، والتثبيت…الخ ؟ لا أظن، ولا لجزء يسير من الثانية، أن بركات عيسى، مراسل “روداو” وقد علَق في قلب المأساة الشنكالية، قبل أيام، وهو يأتي على بعض يسير جداً من محنته، محنة الكردي فيه، في العراء الشنكالي، وفي المدى الشنكالي الوعر، وفي التكور الشنكالي الآلم، وفي الشهقات الشنكالية، رغم وفورة ما ” رماه من معاطفه على أهليه الشنكاليين “، وتلك كانت حدود إمكاناته، حيث يتوغل الفجور الداعشي، والسفور الداعشي ، والطغيان الداعشي المتأسلم، لا أظنه قد أخطأ في التسديد، وهو يتقطع بصوته إذ تخنقه عبراته، قهره الوجودي، بقدر ما أنه رأى ما لا يراه غيره في المكشوف، والمرئي بدقة، لا أظنه تعثَّر في نقل بعض بعض من الحدث الملحمي المروع، إنما كان المرئي من المرعب يفوق طاقة كل شنكالي، وللشنكالي خبرة في مذاق المحن وتجرع غصصها، ومهارة بطولية مسجَّلة في الالتفاف عليها، في التاريخ، والحيلولة دون نسيان كل صغيرة وكبيرة من مآسيه، سوى أن ” بدع ” الداعشي المتأسلم ومن يزكّيه، فاقت كل المحن التي أرشفها في تاريخه اللغوي، والحيوي، حتى لو كل أن عصب من جسد الإيزيدي، استحال قرطاساً، لما كفى هذه اللحظة الغاية في الإيلام والـ…إعلام. ولا أظن أن بركات عيسى تالياً” كما في مشهد مكرَّر، كما لو أنه في إعادة الحدث المختلف، عبر شاشة: روادو “من يوم الأحد” اكتمال نصاب الأسبوع العظيم في محنته الكبرى حتى اللحظة، في 10 آب 2014 “، أراد إدخال متابعيه في جلسة تحضير أرواحه المعذبة، أو مدى التمكن من التمثيل، إنما للتعبير عن هول المصاب، وهو يأتي على ذكر بعض بعض من رآهم، وبعض بعض من افتقدهم وهو عاجز عن فعل أي شيء، إذ تأسره قواه الجسمية، وليس طلاقة روحه البليغة حتى اللحظة، وبعض بعض ما كابده وجاهد به، من أهل ومن أهل ومن أهل، فالكل أهل، وشنكال آهل بهم، ولعلها قمة المأساة أن يبكي “رجل” أمام الملأ الملاييني دون دموع مستعارة، إنما يكون خلي روحه المنجرحة من كل جهاتها، أن يبكي تعبيراً عن أن الجريمة لا توصف، وأن رموزها استثنائيون في الطغيان والشراسة والتجرد من كل إنسانية .

ما الذي يمكننا نحن القيام به، بين نسيان دال على محنة قائمة لا تجارى راهناً كثيراً، وتاريخ يستصرخ كل تاريخ، لثقل المودَع المِحنَي فيه ؟  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…