قول في – مؤتمرات – الهواة

صلاح بدرالدين

      احدى الظواهر الضارة التي أفرزتها الثورة السورية السيولة الفائضة المنقطعة النظير لعشرات الاجتماعات التي تعقد في كل عام من الأعوام الثلاثة من عمر الثورة خارج سوريا باسم المعارضة التي تطلق عليها غالبا مؤتمرات من أجل التغيير تحت شعارات جذابة منتقاة بعناية تنتهي ببيانات ختامية ذات ديباجات لاترقى الشكوك الى روعة اصطفاف كلماتها ونبرتها الثوروية ولاتمضي أيام وشهور الا ويدب الخلاف بين (هيئاتها التنفيذية وأماناتها العامة) من جهة وبين من تصدروها أو تكفلوا بالتغطية المالية عبر شفاعتهم لدى أوساط النظام العربي الرسمي وأجهزتهم المعنية لأن هؤلاء أولى بالزعامة ومن حقهم – كمايرون – تجاوز القرارات والتوصيات ويشكل (اتحاد الديموقراطيين السوريين) المثال النموذجي الأحدث بهذا المجال .

  مقاولوا ومدمنوا – المؤتمرات – ينتمون الى مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية ولايقتصرون على محترفي السياسة التقليديين تجد بينهم الى جانب نفر من الوطنيين الصادقين حديثي العهد بالمعارضة وأعضاء الحزب الحاكم وسجناء سابقين ومسؤولي الإدارات في النظام من حكوميين وأمنيين ومستشارين سابقين لرموز النظام حتى عهد قريب ومثقفين وصحافيين ورجال أعمال والأمر الملفت في هذا السياق تكاثر أعداد أصحاب ألقاب – الناشط في مجال حقوق الانسان – ومتزعمي الجمعيات واللجان والهيئات التي تحولت الى اقطاعيات عائلية وفئوية قد لايزيد عدد أعضاء كل واحدة منها على أصابع اليد الواحدة .

  المفارقة الكبرى أن – المؤتمرات – جميعها من دون استثناء اما تدعي تمثيل الثورة أو الانتماء اليها أو الحرص على صيانتها أو الدعوة الى نصرتها وتتشارك في الخلط المتعمد بين الثورة من جهة و – المعارضة –  من جهة أخرى ولاتستحوذ على أي تخويل من قوى الثورة في الميدان وقد ينجح بعضها استثناء في احضار أحد ثوار الداخل من الجيش الحر أو التنسيقيات لاكتساب الشرعية والتمثيل شكلا وفي سبيل الدعاية أمام وسائل الاعلام .
  المفارقة الأخرى أن أي من هذه المؤتمرات لم يعقد في المناطق المحررة بالداخل السوري وفي حين يتمنى كل وطني سوري حريص على القضية السورية أن يقوم الداخل وخاصة تشكيلات وضباط وقادة الجيش الحر بعقد ولو مؤتمر واحد من أجل إعادة الهيكلة والخروج بقيادة سياسية – عسكرية مشتركة وهو السبيل الوحيد لانهاء الأزمة وتحسين شروط الانتصار فانه وبالوقت ذاته لاتثير – المؤتمرات – المتتالية انتباه السوريين بل أن العديد من المناضلين ينأون بأنفسهم عنها لأنها لاتؤثر إيجابا في عملية الصراع ولاتغير شيئا ولاتحقق إرادة الثوار فقط يتم تبذير الأموال في غير محلها هذا اذا لم نقل أن غالبيتها قد تكون مخترقة بشكل وبآخر من جانب أجهزة النظام أيضا.
        اذا استثنينا – مؤتمر أنتاليا – في العام الأول للثورة (والذي كان لي شرف تمثيل الكتلة الكردية فيه والتكلم باسمها) والذي كان بحق اللقاء الأول بين القدر الأكبر من ممثلي مختلف المكونات الوطنية السورية ووضع المبادئ الأساسية للمعارضة وأعلن بصراحة أنه لايمثل الثورة ولايقودها بل يعبر عن أهدافها ويخدمها وتم تغطية مصاريفه من جانب عدد من رجال الأعمال السوريين المستقلين فان كل المؤتمرات التي سبقته أواللاحقة بدءا من مؤتمر اعلان  – المجلس الوطني السوري – وحتى الآن قيل عنها الكثير وتعرضت الى الطعن والتشهير ان كان بسبب افتقارها الى الآليات الديموقراطية وعدم المشاركة الفعالة والعادلة من جانب مكونات المجتمع السوري القومية والدينية والمذهبية والتيارات السياسية الوطنية وخضوعها في انتقائيتها لمتطلبات الآيديولوجيا المستحضرة من – الاخوان المسلمين – أو حول الجهات الممولة وأهدافها وخدمة أجندة أطراف النظام الإقليمي الرسمي.  

  كأن هناك من لم يستوعب الدرس حتى الآن ومن يصر على إعادة الكرة مثنى وثلاث ورباع ومن مازال يتجاهل دروس الثورة السورية وخاصة في مسألة – المعارضات – التي تتكاثر كالفطر وتزول بالسرعة ذاتها من أن من يمثل الثورة هم الثوار أنفسهم الذين ينفردون دون غيرهم بالتمتع بالشرعيتين الثورية والوطنية وأنهم الوحيدون مجتمعين قادرون على تصحيح مسار الثورة ولهم الحق في تقرير مصير القضية عبر اسقاط النظام وإعادة بناء الدولة الوطنية التعددية الديموقراطية لذلك ليس هناك حل للأزمة من دون اشراف ثوار الداخل على كل عمل انقاذي وكل من يدعي المعارضة في خارج البلاد عليه الرضوخ لتلك المعادلة والاذعان لها وليس القفز فوقها أو تجاهلها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيض ا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…