من سيربح في الانتخابات الرئاسية السورية؟

د. محمود عباس

  المستبد رغم كل بشائعه يحتاج إلى سند قانوني دستوري لوجوده، وبشار الأسد بترشحه منافسا لدمياته يود أثبات دستورية نهجه وديمقراطية انتخاباته، وهو يعلم أن العالم الخارجي يرفضه، لكنه يعتمد على الأطراف التي تسند بقائه، وهذه القوى تحتاج إلى سند دستوري للدولة السورية أثناء الدفاع عنه في المحافل الدولية، وفي البعد الآخر يعتبر ترشحه أو بالأحرى استمراريته على رأس السلطة عملية نفي مطلق للمعارضة الخارجية، واعتبارهم قوى لا تنتمي إلى الوطن بناءً على الدستور الذي لا يعطيهم أحقية الانتخاب والترشح، وإظهاراً للعالم على أن المعارضة الوطنية هي التي ستنافسه على السلطة،
 وعليه سيكون هناك مرشحون شكليون في الانتخابات الرئاسية، وتحت بنود من الدستور الذي أعيد نسخه ليتلاءم ومقاسات طغيانه. وهو بهذا سيعلن للعالم على أن الدستور معه والشعب يدعمه والهجرة والمآسي التي تحصل في الوطن المسير على الدستور يتعرض إلى تخريب خارجي مخطط، والهجرة مآلها عمليات التخريب التي تقوم بها القوى التكفيرية الخارجية، ويريد منها إخراج الشعب كطرف أساسي من الصراع ضده، كل هذا تندرج ضمن الحرب الإعلامية التي تشتهر بها السلطة الشمولية السورية، لم تعد تهمه العلاقات الدولية بقدر ما تهمه تلك القوى التي لها القدرة على بقاء سلطته وإسناده في مواجهة المعارضة.

   ستعلن نتائج الانتخابات بنزاهة، وستحصى عدد الأصوات ونسبة المتقدمين إلى صناديق الاقتراع، بدون 9 ملايين مهجر داخل أو خارج الوطن، وستفرز الأصوات التي حصل عليها كل مرشح وضمنهم بشار الأسد، وسيظهرون للعالم على أنهم ينتظرون القرار النهائي من المحكمة القضائية العليا، لتثبيت قرار نتائج الفرز، كل هذا ودون خروج من إطار الدستور الذي عدل مؤخراً، القضية ليست في مجريات الروتين، بل في كلية وجود النظام وبنيته، وطرق تعامله مع المجتمع السوري، وفي الدستور والذين يشرفون على تعديله، وفي المخططين لخلفيات  هذه الشكليات،  وأساليب السلطة الشمولية وتعاملها مع الشعب السوري.
  سألت الإعلامية الأمريكية المعروفة (باربرا والتر) حافظ الأسد في حوار لها معه، لماذا لا تطبقون النظام الديمقراطي في بلدكم؟ رد عليها الأسد: بأن الحكم في سوريا أكثر ديمقراطية من الحكم في أمريكا، فهناك عندكم يحكمها حزبان فقط أما في سوريا فتحكمها سبعة أحزاب، فقد كان صادقاً، وهي حقيقة في ظاهرها، مثل حقيقة الانتخابات التي ستجري في الشهر القادم في سوريا وسيكون بشار الأسد واحداً من بين أحد عشر مرشحاً حتى اللحظة! أين تكمن المصيبة؟ هل في الذين يصدقون هذه المهزلة أم الذين يدعمونها لسفالة وانتهازية وكولكة أم لدونية أخلاق السلطة وخبثها وقدرتها على عرض قناع أمام وجه سوريا المدمرة.
من أوائل الذين ترشحوا لمنافسة بشار الأسد رجل من حلب، اسمه ماهر حجار، شيوعي سابق منشق، وأحد الأعضاء المصفقين في مجلس الشعب، إلى جانب آخرين برزوا، جميعهم وجوه مغمورة غير معروفة، ولكل منهم دور كلف به سيؤديه في القادم من الأيام، مثلما هناك أدوار لقنت لمجموعات سياسية تابعة للنظام، كالتي في الجبهة الوطنية أو التي تسمي ذاتها معارضة الداخل.
  أول الأدوار ظهرت من قبل ماهر حجار وكان انفجارا سياسيا ضمن المنطقة الكردية، واللعبة متناسقة بينه وبين سلطة الأمر الواقع في المنطقة. طالب أن يرشحوه ليقضي على الانفصاليين الكرد في شمال وشمال شرق سوريا، وكان ذلك رداً على إعلان سلطة الكانتونات بعدم السماح لإجراء أية انتخابات في الكانتونات الثلاث، ولا يفهم ما هي الحدود الجغرافية التي ستمنع فيها الانتخابات، هل هي إطار عاموده وكوباني وعفرين أما إنها أوسع من ديمغرافية مدينة؟ والمشكلة ليس في الرد ورد الفعل العنصري، بقدر ما هي لعبة من السلطة ذاتها وترمي إلى بعدين:
1-   السلطة لا تريد أن تظهر ذاتها الخاسرة حكماً في المنطقة الكردية، وربما مناطق أخرى في سوريا ستفرز معها تحت حجج مغايرة، مثلما فعلتها يوم ألغت المهجرين من حق الانتخاب، بقرار دستوري حدده على مقاسها، الأولى وطنيا وقوميا رفض الانتخابات في كلية سوريا في الواقع الحاضر وشكلها الجاري.
2-   لقن ماهر حجار ليصرح بما قاله كدعاية انتخابية تظهره بين شريحة واسعة من المجتمع السوري كعنصري ويريد الشر وخلق الاقتتال بين الشعب، وعليه سيبين على أن بشار الأسد بندائه الإخوة والمحاباة بين شرائح المجتمع السوري، ومحاربة التكفيريين معا، والذي سيظهره لا حقا على الأغلب، والعملية هي مقارنة خبيثة بين المرشح القادم على انه لا يقل شرورا من بشار الأسد، وهي دعاية غير مباشرة لتبييض وجه المجرم.
لا شك سوف لن تظهر على الساحة الانتخابية شخصية وطنية معروفة، كمرشح للرئاسة في ظل السلطة الشمولية، وفي الظروف المأساوية التي تمر بها سوريا، وحيث الدستور الذي لم يعد له ثمن وقيمة قانونية وملغية من خانة الاعتراف لكثرة ما تلاعب به، حتى ولو ظهر أسم معروف سيكون من ضمن المعارضة الداخلية والمسماة بالوطنية جدلاً، أو معارضة السلطة للسلطة، ولا نستبعد ترشح رجل مثل حسن عبد العظيم كشكل ودعاية إعلامية خارجية لسلطة بشار الأسد.
  نعلم أن جميع الذين يرشحون ذاتهم ممثلون على خشبة مسرح سوريا، كل منهم سيؤدي دوره المكلف به، وكثرتهم تبين على أن المهام عديدة ومتنوعة، ونعلم أن جميعهم يعيشون ضمن سوريا حسب بنود الدستور الموضوع لاستحقاقات الترشيح، وكانت الغاية من القوانين حصر الجميع في قفص النظام، وضمن جغرافيته، حيث الاختطاف والقتل ضمنها على الهوية أسهل من شراء البصل في زمن النعمة. تحت خيمة الرهبة والصراعات الدموية التي تخيم على الوطن يتجرأ أكثر من عشرة مرشحين لمناسفة أحد أبشع المجرمين في العصر وفي ظل أشرس الأنظمة الشمولية في المنطقة. والغريب حتى في زمن السلم وعندما كان الأسد الأب يفتخر أمام (باربرا والتر) بديمقراطيته، لم يتجرأ إنسان سوري من منافسته، إلا مرة واحدة وبظهور مرشح كان قد دفع به أيضا وكان مغموراً إلى درجة لم يتعرف عليه سكان شارعه حينها، وأظنه كان معلما من مدينة الرقة، غطيت العملية في الإعلام السوري بطريقة ظهر فيه كرم الأسد وديمقراطيته ووساعة صدره في تقبل منافسة الأخرين، كان مدحاً ذكياً خبيثاً، وبالتأكيد لم يحصل يومها المعلم حتى على صوته الانتخابي! فكيف واليوم ومن تحت خيمة ابنه الغارقة في برك الدم السوري، ومن ضمن دوائره، ومن مقاعد مجلسه التصفيقي يظهر كل هؤلاء، لمنافسته! ودلالتها، أن هذه السلطة لا تكتفي بقتل الشعب السوري جسديا بل تقتلهم فكريا وثقافيا وتعدم فيهم الرؤية الحرة وتحتكر حتى قناعات الأمة لغاياتها.
 عرض الجانب الأخلاقي والإنساني للشخصيات الذين رشحوا ذاتهم تحت ظل الاستبداد وفي الظروف التي يمر بها الشعب السوري في الداخل والخارج، ستجرف بنا إلى دراسة البنية الثقافية التي تربوا عليها، الثقافة التي غرزت فيهم الدونية الطاغية في اللاشعور. فمثل هذه النفسيات لا تعي ذاتها إلا من خلال عبادة أنصاف الآلهة من البشر، وخدمتها بذل، والعبادة هنا مستوحاة من الثقافة التي تربوا عليها، وعلى الأغلب إنهم أشخاص لا يعرفون للحرية طعماً ولا يدركون قيمة الإنسان الحر فكراً أو إرادة، وقد يكون غريبا القول التالي: إذا كان الاختيار مطلقاً بين بشار الأسد وبينهم! فالأول أفضل لأنه يملك ذاته ويعرف كيف يكون نصف إله، أما أولئك حتى ولو نجحوا جدلاً في الانتخابات، فسيكونون عبيدا للقرارات التي ستلقن لهم من إلههم البشري نفسه، ومثال على ذلك، رئيس روسيا ميد فيدف في زمن وجود بوتين رئيس وزراءه، والأمثلة في هذا عديدة في شرقنا.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com

  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عزالدين ملا ليست كل الأحزاب السياسية قادرة على البقاء في قلب الأحداث لعقود طويلة، فالتاريخ السياسي مليء بقوى ظهرت بقوة، ثم تراجعت، أو اختفت مع أول أزمة أو تغيُّر في موازين القوى. أما الأحزاب التي تحافظ على حضورها وتأثيرها عبر الزمن، فإنها تستند عادةً على عناصر لا تتوافر لغيرها، مثل العمق التاريخي والشرعية الجماهيرية والقيادة القادرة على قراءة التحولات والمرونة…

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…