جنيف 2 و لغز الحلول المستعصية

افتتاحية صوت الأكراد *

اعتذر الأخضر الإبراهيمي الموفد العربي والأممي للشعب السوري عن عدم إحراز أية نتائج مرجوة من مؤتمر جنيف2, وانتهت المفاوضات دون تحديد موعد قادم لانطلاقها , وبذلك خاب إلى حد ما آمال السوريين ، بعد أن كان الجميع متفائلاً بأن انطلاق المفاوضات يعني بشـكل من الأشـكال البدء في العد التنازلي لانتهاء هذه المأسـاة الكارثية ، التي حلـت بهم وأرهقت الجميع دونما اسـتثناء , وحولت الوطن إلى أنقاض وطن .

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا, ما هو اللغز الذي جعل من هذه الأزمة عصية على الحل في مؤتمر جنيف 2 رغم كل ما أعلنه كبار قادة العالم “وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والاتحاد الأوربي والجامعة العربية” من دعم لا متناهٍ بغية إنجاحه, ورغم ضخامة الدعاية التي سبقت انعقاد المؤتمر لتصل بالسوريين إلى حالة نفسية واثقة بالتوصل إلى حل مرضٍ للجميع , فما الذي جرى ويجري يا ترى في الخفاء , ليرجع بالسوريين إلى المربع الأول, أي القتل والتدمير والمأساة برمتها مستمرة …

 

إن الأسـباب المؤدية إلى الفشـل في تحقيق أي تقدم في المفاوضات والتوصل إلى نتائج لحل الأزمة السورية تكمن في عدة عوامل سنحاول قدر الإمكان اختصارها كما يلي :

إن الذهاب إلى جنيف كان يتطلب من الجميع التحلي بروح عال من المسؤولية الإنسانية لإيقاف حمام الدم في سـوريا , هذا أولاً ولكن للأسف كان ذلك شيئاً هامشياً , كما كان ينبغي تغليب إرادة الحل على إرادة المكاسـب, وهذا ما لم يحدث , كل طرف ذهب ليملي شروطه على الآخر مستندين على دعم حلفائهم ..

كما أن النظام ذهب إلى جنيف2 بعد محاولاته المضنية لكسب المزيد من الأرض عقب معارك دامية وضع فيها كل قواه من أجل فرض شروطه من منطلق القوة , ولذلك كان حديثه بمنطق القوة والعنجهية .

أما الائتلاف فهو أيضاً يتحمل الوزر , فقد كان أدائه خجولاً , نتيجة عدم إعداده لوفد متماسك قوي وشامل , فكما نعلم تمسك الائتلاف بأن يكون الممثل الوحيد للمعارضة , وهذه النقطة أضعفته أكثر , حيث أن هذه النقطة لم يجعله ممثلاً لكل المعارضة كلها, وفي ذلك ضعف كبير لوفده, كما أن النزاعات والخلافات  الداخلية أرهقت كاهل الائتلاف بعد الانسحابات التي حصلت فيه , وعلى رأسهم المجلس الوطني السوري الذي قاطع المؤتمر, كما أن تعامل الائتلاف مع القضية الكردية وعدم إدراجه للقضية الكردية في وثيقة الائتلاف كما كان متفقاً عليه , أساء كثيراً لمصداقية الوفد , وخلق حالة من التشنج لدى الوفد الكردي ” والذي بدوره كان أداؤه ضعيفاً نظراً للتصرفات اللامقبولة من بعض أعضاء الوفد “.

كما أن تشتت القوى المعارضة المقاتلة على الأرض وظهور الخلافات , والصدام بينها وبين المقاتلين المتطرفين دفع بالكثير إلى التريث في اتخاذ أي قرار داعم للمعارضة بالشكل المطلوب .

وأخيراً, والسبب الأقوى هو عدم وجود إرادة دولية حقيقية وخاصةً لدى الدول العظمى في حل الأزمة السورية بل على العكس ما يتضح يوماً بعد يوم هو أن الأزمة السورية تحولت إلى نزاع دولي وإقليمي على كسب أكبر قدر من المصالح والمزايا , فكيف لأمريكا أن تجبر النظام على تسليم مخزونه الاستراتيجي من الأسلحة الكيماوية في غضون أيام وتفشل خلال ثلاث سنوات في حقن الدم السوري …

كل ما نخشاه هو أن تكون هناك إرادة دولية وتلاقي مصالحها في أن تتحول سوريا إلى حالة شبيهة بالصومال…

فالجميع مدعوون هنا إلى إعادة النظر في سياساتهم وعلاقاتهم لجعل المصلحة العليا للسوريين فوق أية اعتبارات أخرى, وصولاً إلى بلدٍ ديمقراطي برلماني تعددي ليكون رمزاً للتعايش السلمي بين جميع مكوناته الوطنية والقومية والدينية .


* لسان حال اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) / العدد (469)

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عدنان بدرالدين تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…