تغيير المسار في الثورة السورية

مروان سليمان

أن الثورات المندلعة هي ثورات شعبية بالأساس،نابعة من فكر الشعوب و قدمت التضحيات الجسام من أجل تغيير الواقع لأسباب عديدة منها  غياب الديمقراطية و سيطرة الحزب الواحد و القضاء على المعارضة  و وراثة الحكم من الأب إلى الإبن و تكميم الأفواه  والفقر و البطالة و خاصة عندما فاقت الشعوب من الغيبوبة و حررت الإرادة السليبة من الشعارات الكاذبة كالتحرير و الإعداد للمعركة و المقاومة  بعد عقود من التزييف و هضم الحقوق و علم أن هناك من يستغلهم و أن الفقر و البطالة ليستا قدراً عليهم بل قد حل عليهم ضيفاً ثقيلاً بفعل آخرين نتيجة فساد الطبقة الحاكمة و إحتكارها لإقتصاد البلاد و ثرواتها، وصحيح بأنه لا يوجد فضل  لحزب أو لتيارعلي هذه الثورات.
و لكن يجب علينا أن لا ننسى أن الأحزاب و القوى الثورية  و إن لم يكن لها دور مباشر في قيام الثورات إلا إن نضالاً مريراً خاضته تلك القوى و خاصة المنظمة منها ضد أنظمة الإستبداد و الديكتاتوريات مثل مظاهرة حزب يكيتي الكردي في سوريا عام 2002 أمام البرلمان السوري و إنتفاضة الكرد في 2004 و كانت من أبرز سماتها المطالبة بالديمقراطية و التعددية و تهتف للحرية و ضد الإستبداد كما قامت العديد من المظاهرات و الإعتصامات و زج بالكثيرين من منتسبي أحزاب الحركة الوطنية الكردية في السجون أمثال  القياديين في حزب يكيتي الكردي في سوريا المناضلين مروان عثمان و الأستاذ حسن صالح كما قدم العديد منهم الشهداء و هذا كان انجازاً للحركة الكردية بشكل عام في ذلك الوقت لإثارة الرأي العام و تكوين حالة من الوعي الجماهيري و خلق حالة من الغضب و الإحتقان و هذا ما جعل من الثورات أن تكون أقرب من لمح البصر في قيامها بعد إن بلغت الأمور مداها و نضجت ظروف قيامها كما أننا يجب أن لا ننسى الثورة التقنية الحديثة كالفضائيات و الإنترنيت التي سهلت التواصل و عمقت الوعي السياسي و معرفة الحقوق و كذب الأنظمة و زيف إدعاءاتها إلا إن اللاعب الأساسي في هذه الثورات هم الأفراد العاديين في المجتمع و خاصة من الطبقات الأكثر فقراً و المسحوقة منها ، والذين ثاروا ضد فساد وقمع النظام القائم لهم. ولكن التحول علي الأرض و خاصة بعد عسكرة الثورة السلمية  و حمل السلاح لم يكن فعلياً و عملياً للثوار بسبب غياب التنظيم و التخطيط في هذه المرحلة و ما بعدها و لذلك سيطر على الساحة و بقوة لاعبون جدد من الإسلاميين المتشددين المدعومين من الأنظمة الأقليمية الذين نظموا صفوفهم و خططوا بشكل جيد لخطف المشهد السياسي و السيطرة الفعلية على الأرض بقوة السلاح و قدرتهم الفائقة على التوغل في المجتمع. 
إن صعود الحركات الإسلامية المتشددة في الثورة السورية كان نتيجة حتمية بسبب تراجع و إخفاق القوى الأخرى في تحقيق أهدافها و بسبب فشل النخب الثقافية في نشر ثقافة الوعي و فشل القوى الثورية و انعزالها على ذاتها و الهرولة في تحقيق أهداف آنية خلق أجواء مريحة و مواتية في سبيل نمو الحركات الإسلامية المتشددة بالإضافة إلى الجهد الذاتي من قبل هذه الجماعات في التعبير عن نفسها و نشر أفكارها و تربية الناس و خاصة من الجيل الصاعد على مفاهيمها و مقاساتها و ربطها بالقدسية السماوية و عندما هيمنت على الحياة السياسية و أصبحت الفرصة مؤاتية لإعلان نياتها عملت في صفوف المعارضة ظاهرياً و لكنها متحالفة في الحقيقة مع النظام الإستبدادي و نهجه الشمولي و الإقصائي و عملت على قمع القوى الثورية و الجماهير الشعبية التي خرجت من أجل الديمقراطية و الحرية و هذا ماساعد في إطالة عمر الدكتاتورية و تشويه سمعة الثورة و تحريف أهدافها و إظهارها على أنها ثورة طائفية.
أي أن العنف هو القاسم المشترك بين هذه الجماعات و النظام الذي نما و ترعرع مع الأزمات السياسية و العوامل الإجتماعية المعقدة مثل الولاءات الطائفية و التركيبة السكانية المختلفة و لكن في الثورة السورية تكفلتها دول و أنظمة في سبيل تحقيق مشروعهم المعروف بالإسلام السياسي تحت راية هذه الحركات المتشددة من داعش إلى جبهة النصرة و القاعدة و هذا ما كان يصبو إليه النظام منذ بداية الثورة على أن يتكون لدى المواطن صورة كئيبة و مظلمة و تصور على أن القادم هو أسوأ من النظام و تركيبته و أن القوى الظلامية هي البديلة عن النظام و خاصة في ظل صعود حركات إسلامية على سدة الحكم و لكنهم لم يكونوا معتدلين مثلما أدعوا أو كما كان المواطن يتمنى.

05.01.2014

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…