الفكر المتطرف عندما يصبح إرهاباً

مروان سليمان

يبدو إن التطرف و الإرهاب فكرتان متلازمتان فمتى ما وجدت البيئة الصالحة لنمو التطرف سوف يتحول إلى إرهاب سواء كان هذا الإرهاب فكرياً أو سلوكياً من خلال القيام بالعمل الإرهابي و لكن قد يختلفان عن بعضهما من ناحية المعالجة إن وجدت لأن التطرف هو تطرف فكري أي أن علاجه هو الحوار و التفاهم من خلال التواصل الإجتماعي أو السياسي أو الديني و لكن قد لا يحتمل الفكر التطرفي الحوار و المجادلة فيتحول إلى قوة صادمة و يخرج عن حدود المعالجة و الحوار إلى نطاق الجريمة و العمل على تنفيذها و هذا يعتبر خروجاً عن الوسطية و الإعتدال و السير في الطريق المنحرف و السلوكيات العدوانية و الإنحراف عن المنهج الصحيح و الميل إلى التشدد لا بل إلى الغلو فيه حتى يصبح منغلقاً على نفسه وذاته و يتخيل أفكار غريبة من نسج الخيال كالفساد في المجتمعات الغربية و الشر مع من يخالفه الرأي و يصبح العالم كله سلبياً في نظره و يجند نفسه في محاربته لعودة الإستقامة و الصراط المستقيم على نمط تفكيره
إن التطرف قد يرتبط بالفكر و بمعتقدات وأفكار بعيدة عما هو معتاد ومتعارف عليه سياسيا واجتماعيا ودينيا دون أن ترتبط تلك المعتقدات والأفكار بسلوكيات مادية عنيفة في مواجهة المجتمع ، أما إذا ارتبط التطرف بالعنف المادي أو التهديد بالعنف فإنه يتحول إلى إرهاب كما يحصل اليوم في الحرب الدائرة في سوريا بين الشعب و النظام و تحول الجماعات الإسلامية التي ترتبط اسمياً بالدين كتنظيم داعش و جبهة النصرة إلى سماسرة حروب و متاجرين بالدين و إلى قطاع الطرق و عصابات تسلب و تنهب و تقتل باسم الدين ، فالتطرف يبقى دائما في دائرة الفكر و لكن عندما يتحول الفكر المتطرف إلى أعمال و تصرفات عنيفة من السلوك من اعتداءات على الحريات أو الممتلكات أو الأرواح أو تشكيل التنظيمات المسلحة بمباركة النظام التي تستخدم في مواجهة المجتمع والجيش الحر فهو عندئذ يتحول إلى إرهاب.
صحيح أن التطرف في الفكر لا يعاقب عليه القانون باعتباره رأي مخالف للأخر و لكن عندما يتعلق الأمر بالمجتمع و تخريب العقول و اللعب في المنطقة الرمادية لتفادي حكم القانون و التغرير بالشباب و غزو فكرهم عندئذ يجب وضع الحدود له و تشريع قوانين بهذا الخصوص للحد من انتشار الفكر المتطرف حتى إذا كانت في النوايا و الإفكار مثله مثل السلوك الإرهابي المجرم الذي هو عكس القاعدة القانونية و الذي يتم تجريمه حسب القانون.
فالتطرف هو مقدمة حتمية للإرهاب و لا يمكن أن يكون الشخص متطرفاً إلا إذا لجأ إلى العنف لتطبيق أفكاره و لا يمكن أن يطبق أفكاره إلا إذا استعمل العنف مع الآخرين على أرض الواقع، و لكن المقلق إن القابلية في المجتمعات الإسلامية في تقبل الفكر المتطرف الديني و احتضانه كبيرة جداً لدى جمهور واسع من الناس، إذاً القضية لا تتعلق بالمتطرف فقط و إنما الأمر الخطير فيه هو وجود بيئة خصبة و متعاطفة مع هذا الفكر المتطرف و تمجيده و نشره و فسح المجال أمام المتطرفين لإعتلاء المنابر الدينية و الأعلامية و أعطائهم الفرصة لنشر تطرفهم و تغذية عقول الشباب بالفكر التطرفي الذين ينظرون إلى أعمالهم العدوانية على أنه جهاد بالنفس و شهادة و جنان خلد و حوريات.

إن ما جرى و ما يجري الآن في البلدان التي يحكمها المسلمون سواء في الجزائر و تونس و مصر و سوريا و ليبيا يمكن أن يتكرر في البلدان الإسلامية الأخرى إذا لم يتم الإصلاح الديني و توجيهه و توضيح جوانب الحوار و التعايش السلمي بين  جميع الثقافات التي يتلقاها طلاب العلوم الشرعية  و إصلاح مناهج التربية و التعليم و خاصة الإسلامية منها و حصر الفتاوي في علماء الدين المعترفين و تحديدهم و مراجعة الفتاوي القديمة كلها و الغاء كل ما تمت بصلة لما يدعو للعنف و القتل و الإجرام و هنا تنحصر المسؤولية بين رجال الدين و القيادات الدينية لإبراز الوجه الخاطئ من الصحيح على أن يكونوا حملة الشهادات الشرعية بثقافات واقعية تدعو إلى التسامح و العفو و العيش المشترك بدلاً من الثقافات المنغلقة الغائبة عن حركة التاريخ و بعيدة كل البعد عن العالم الذي يعيش فيه أمثال القاعدة و داعش و النصرة و غيرها من الحركات التكفيرية التي لا تقبل أحداً سواها و لا تقبل فكراً سوى فكرها أي أنها أحادية في كل شئ إلا في الله لأنها تجد إلى جانبه ولاة الأمور الذين يفرضون عليهم.

30.12.2013
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…