بين الهيئة الكوردية العليا والجبهة الوطنية التقدمية في سوريا

دلير أومري

برعاية إقليم كوردستان وبإشراف وحضور السيد رئيس الإقليم مسعود البرزاني تمّ التوقيع على اتفاقية تحدد أسس وبنود الشراكة بين المجلسين – المجلس الوطني الكوردي ومجلس الشعب لغربي كوردستان – سميت باتفاقية هولير وتنفيذاً لأحد بنود الاتفاقيّة تمّ تشكيل هيئة من عشرة أعضاء مناصفةً بين المجلسين سميت باسم الهيئة الكورديّة العليا.

استقبلت الجماهير الكوردية في سوريا الاتفاقية وتشكيل الهيئة بالترحاب وغمرت الفرحة مدن وبلدات المناطق الكورديّة حيث خرجت عشرات الآلاف من ابناء وبنات شعبنا الكوردي حاملين لافتات التأييد ومعلنين بأنّ الهيئة الكورديّة العليا تمثلهم دفعهم لذلك اعتقادهم بأنّ الهيئة ستوحّد القوى الكورديّة وستحاور الآخرين بموقف سياسي يعبّر عن تطلعاتهم.
واستجابةً لهذا الحسّ الوطني الشعبي بذل المجلس الوطني الكوردي بمعظم أحزابه كل جهد ممكن لتفعيل الهيئة الكوردية وبالتالي تنفيذ اتفاقيّة هولير واللحاق بركب الأحداث المتسارعة في سوريا بموقف كوردي موحد يضمن حقوقهم في سوريا المستقبل ناسين أو متناسين بأنّ شريكهم في الهيئة ( حزب الاتحاد الديمقراطي ) هو الوليد الشرعي لحزب العمال الكوردستاني هذا الحزب الذي يتبنى إيديولوجية وثقافة واضحة ترفض الاعتراف بالآخر مهما كان هذا الآخر وانطلاقاً من هذا الفكر وهذه الثقافة الإقصائيّة استطاع وبسبب ما توفر له من إمكانات ماديّة وبشريّة من قبل الأجهزة الأمنيّة لدول المنطقة القضاء على معظم أحزاب الحركة التحررية الكوردستانيّة في تركيا وأعلن عن نفسه بأنّه الممثل الشرعي والوحيد للشعب الكوردي في كوردستان تركيا وسيّد الساحة وهذا الحزب هو نفسه الذي ترك الساحة النضاليّة (بعد تقديم عشرات الآلاف من الشهداء الذين ضحوا بأغلى ما عندهم في سبيل تحقيق أهداف الشعب الكوردي ) مقابل لا شيء تقريباً وتراجع عن كلّ الشعارات التي كان يطرحها وأجهض نضال الشعب الكوردي مقابل أهداف ثانويّة كإطلاق سراح زعيم الحزب والسماح بالتكلم باللغة الكورديّة في كوردستان تركيا.
ونقل الحزب نشاطه السياسي والعسكري إلى سوريا من خلال سحب مقاتليه من كوردستان تركيا ونقلهم إلى الساحة الكورديّة في سوريا تحت مسمى حزب الاتحاد الديمقراطي الذي هو من نفس المدرسة الفكريّة والسياسيّة وشرب حتى الثمالة من تلك الثقافة الإقصائية الرافضة للشراكة وحل الخلافات عبر الحوار الديمقراطي فبالرغم من جولات الحوار المتعددة وتدخل راعي الاتفاقيّة أصرّ الحزب على وضع العراقيل أمام الهيئة وبالتالي تجميدها من خلال التمسك برأيه وتفسيره للاتفاقيّة على هواه وقبل ذلك الاستماع إلى نصائح اللذين سلموه مقاليد المدن والبلدات الكورديّة .
أمام قوة حزب الإتحاد الديمقراطي – من مجموعات مسلحة يقدر أعداد المقاتلين فيها بالآلاف والتي سميت ب( وحدات حماية الشعب) إسوةً بمثيلاتها في الداخل السوري والتي عرفت ب ( الشبيحة ) – لم يبق أمام معظم أحزاب المجلس الوطني الكوردي سوى تجميد عملهم في الهيئة والإعلان بشكل يومي أنّ هذه الهيئة تمثل مجلس الشعب لغربي كوردستان فقط.
أمام هذا الواقع وما آلت إليه الهيئة الكورديّة أصيبت الجماهير الكورديّة بالإحباط بسبب مواقف الحزب المذكور والتي لا تخدم مصالح الشعب الكوردي في سوريا وتبعد حركته السياسيّة عن موقعها الطبيعي إلى جانب المعارضة الوطنيّة والديمقراطيّة السوريّة وفي نفس الخندق.
إنّ سيطرة حزب الإتحاد الديمقراطي على الهيئة وممارسة كلّ الأنشطة تحت يافطة الهيئة الكورديّة العليا معتمداً في ذلك على قوته العسكريّة والأمنيّة تذكرنا بالجبهة الوطنيّة التقدميّة في سوريا حينما بادر حزب البعث الحاكم بتشكيل جبهة تضم الأحزاب السوريّة التي تحظى برضى حزب البعث وصاغ للجبهة نظاماً داخليّاً وبرنامجاً سياسيّاً حصر كل السلطات في يديه وأمينه العام هو رئيس الجمهورية .
إنّ تركيبة الجبهة آنذاك تشبه إلى حدّ كبير تركيبة الهيئة الكورديّة العليا فحزب البعث يمتلك تسعة أعضاء وبقيّة أحزاب الجبهة لهم ثمانية أعضاء وفي الهيئة الكورديّة العليا يمتلك حزب الاتحاد الديمقراطي خمسة أعضاء وأحزاب المجلس الوطني الكوردي الستة عشر خمسة أعضاء.
استثمر حزب البعث اسم الجبهة لإيهام الرأي العام السوري بأنهم ديمقراطيون ويشاركهم أحزاب وطنيّة في اتخاذ القرارات الهامة وغيرها كذلك حزب الاتحاد الديمقراطي يحاول الاستفادة من اسم الهيئة في نشاطاته وحتى في اعتقال وقتل النشطاء والكوادر الحزبيّة.
إنّ الجبهة الوطنيّة وتحديداً حزب البعث بسياسته وفكره الشمولي الذي لا يعترف بالآخر ( السياسي – الثقافي – الإثني- الطائفي) أوصل سوريا إلى ما هي عليها من كوارث في شتى مجالات الحياة فهل يريد حزب الاتحاد الديمقراطي السير على نهج حزب العمال الكوردستاني وبالتالي تهميش الحركة السياسيّة الكورديّة الأصيلة والقضاء عليها إن أمكن ويعمل على الاستفادة من تجربة حزب البعث في السيطرة والتسلط وإلغاء الآخر ؟
إنّ شعبنا الكوردي لا يتحمل المزيد من الويلات والكوارث ولا مستقبلاً مجهولاً ومن واجب كل الغيورين من أبناء شعبنا الكوردي الحريصين على ضرورة تأمين موقع يليق بتضحياته الوقوف بجديّة أمام هكذا سياسة و فكر يضر بالشعب الكوردي.

القوى السياسيّة الكورديّة ومنظمات المجتمع المدني مدعوة إلى فضح سياسات الأجهزة الأمنيّة لدول الإقليم التي تحاول أن تجعل من القضيّة الكورديّة في سوريا ورقة مساومة على طاولة المفاوضات بين تلك الدول والكشف وبكل جرأة عن دور بعض المنظمات والأحزاب الكورديّة في هذه اللعبة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد تناولت إيران بوصفها مثالًا على أزمة لا تستطيع الحرب أن تمنحها خاتمة سياسية واضحة، فإن حالة كردستان الغربية تكشف الوجه الآخر لهذه الحروب: حين لا يُحسم الصراع بين القوى الكبرى، لا تبقى النتائج معلّقة في الفراغ، بل تُعاد كلفتها إلى الأطراف الأضعف. وفي سوريا، كان الكرد أحد أكثر هذه الأطراف تعرضًا لهذا النوع…