السوريون والحلقة الثانية من مسلسل جنيف

جان كورد

قد لا يكون ثمة سوري إلا وطرح أو يطرح على نفسه هذا السؤال: “-هل علينا المشاركة في جنيف 2 أم لا؟” وأنا أطرح السؤال ذاته على نفسي وعلى القراء الكرام….

وهذا يذكرني بقصة بطلها الثري النبيل “ساردونيكوس”، الذي يسيء إلى كل من حوله ويظلمهم ويضربهم ويؤذيهم، ولكنه في الوقت ذاته أفضل لهم من سواه من النبلاء الآخرين وكريم معهم يغدق عليهم الأموال ويقترب منهم بما يحبونه من الكلام، فيدع الكاتب معاقبة هذا الإنسان لقارىء الرواية في النهاية، فهو الذي عليه إقرار العقوبة للمجرم أو العفو عنه.
فالكاتب يعطينا كل ما لديه من الأسباب والمعطيات التي تنتج الموضوع وتأتي بنتائجه من وجهتي نظر متناقضتين أو مخالفتين لبعضهما بعضاً، وما على القارىءإلا أن يحكم عقله ويخاطب ضميره، ويشغل نفسه بقضية هامة، يتوقف على التعامل معها مصير مجرم كبير، ألا وهو في وضعنا الحالي النظام السوري الراغب في حضور”جنيف 2″، حيث مصيره ومستقبله، بل إن بقاءه ووجوده بعد ذلك المؤتمر متعلق بلقاء واتفاق السوريين ومن وراءهم من عربٍ وأجانب في تلك المدينة السويسرية الجميلة، والقاتل في هذه الحال ليس مجرد قاتل أو مجرم عادي.

بل هو نظام كامل يمتلك آلة تقتيل جهنمية بكل معنى الكلمة، أثبتت السنوات الأخيرة من تاريخ سوريا ولبنان أنه لا يتوانى عن ارتكاب أفظع الجرائم ضد الإنسانية، كما لا يتوانى عن اللعب على كل حبال التآمر والخداع، بل إنه مستعد لأن يتنازل وقتياً عن كثير مما يعتبره “خطاً أحمر” ثم يعود للتشديد في مطالبه عندما يقوى، واستعداده للتخلي عن سلاحه الكيميائي الخطير في لحظة من لحظات الضعف وعدم القدرة على التصدي والتحدي، وهو الشهير بالعبارات الطنانة والشعارات البراقة في المقاومة، أكبر دليل على شراسته في العدوان وفي تراجعه بقوة عندما تزداد عليه الضغوط.

من وجهة نظر السوريين، معارضين وثوار، لا يلعب جنيف 2 دوراً أساسياً في مسيرة صراعهم الطويل الأمد مع النظام الذي يبدو أنه يحظى بتأييد إقليمي ودولي، وأن الفشل قد يكون مصير جنيف 2 مثلما فشلت مبادرة كوفي عنان ومن بعده مبادرة الأخضر الإبراهيمي ومؤتمر جنيف 1 وكل المحاولات المطروحة وطنياً واقليمياً ودولياً لإيقاف المجزرة الكبرى في سوريا.

ولذلك فإن حضور جنيف 2 من قبل بعض الفصائل المعارضة والشخصيات الوطنية لن يغير من معادلة الصراع، وإن اتفق الروس والأمريكان معاً على عقده في ظل الأمم المتحدة، لأن تنفيذ بنوده وتحقيق أهدافه مرتبط أساساً بهذه المعادلة الدموية على أرض الواقع السوري، حيث المعارك في سائر أنحاء البلاد بين المعارضة المسلحة وما تبقى للنظام من قوات نظامية مدعومة بدعم كبير على مختلف الصعد المالية والقتالية والبشرية من إيران وأحزابها المسلحة واستخباراتها في لبنان والعراق وسوريا.
الأمريكان يؤكدون على لسان وزير خارجيتها جون كيري بأن تعاون الأسد مع المجتمع الدولي لإزالة سلاحه الكيميائي الكثير والخطير، لا يعني استعادته للشرعية واحتفاظه بالسلطة، فهو فاقد للشرعية ويجب عليه التنحي، بل يجب محاكمته على استخدامه السلاح الكيميائي المحظور دولياً ضد المدنيين من شعبه، ولكنهم يعتبرون الذهاب إلى جنيف 2 فرصة كبيرة لإيجاد حل سياسي دولي يحقق مخططهم حيال مستقبل سوريا.

ويبدو أنهم متفقون ضمناً مع النظام السوري وحلفائه على استبعاد الفصائل الإسلامية المتطرفة والموالية للقاعدة والتابعة لها من المشاركة في هذا المؤتمر الدولي، وبذلك فإنهم يضعون بأنفسهم عائقاً كبيراً أمام الحل السلمي في سوريا، فهذه الفصائل هي التي تملك أسباب القوة القتالية وتسيطر على مساحات شاسعة من البلاد وتفرض نفسها على جزءٍ كبير من الحياة العامة في سوريا الآن، ولا تتوانى مثل النظام عن ارتكاب أفظع الجرائم عندما تشعر بأنها في خطر.


مواقف كلٍ من الروس والإيرانيين تجاه مؤتمر جنيف 2 معروفة ولم تتغير حتى الآن، أما مواقف فصائل المعارضة السورية الرئيسية مثل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة والمجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطنية فهي مختلفة ومترددة وغير مثبتة حتى الآن.

رغم البيانات والتصريحات المتتالية من هذا الطرف أو ذاك، وذلك لأن هذه الفصائل المعارضة تعلم علم اليقين أنها لن تستطيع الوصول إلى السلطة، حتى وأن تنحى الأسد عنها، بدون موافقة من مجالس قوى الثورة المسلحة على الأرض السورية، كما تعلم في الوقت نفسه أن أمامها كومة من المشاكل الكبيرة، وفي مقدمتها إعادة ملايين اللاجئين السوريين إلى مواطنهم وإعادة الإعمار وتوحيد الجيش السوري الوطني الحرونزع سلاح المجموعات المسلحة المتنافرة التي ارتفع عددها من خلال الثورة بشكل يصعب معرفته تماماً ، وهذه المشاكل لن تحل دون مساعدة عظيمة على مختلف الصعد من قبل المجتمع الدولي، والتوفيق بين مواقف قوى الثورة السورية والمصالح الدولية ليس سهلاً بالنسبة للمعارضة السياسية، وتعلم أن بعض هذه المواقف متناقضة تماماً.
ومن بين هذه المواقف السورية غير المحددة تجاه جنيف 2 مواقف الأحزاب الكوردية التي منها ترفض الحضور دون وجود بند خاص في جدول الأعمال بقضية الوجود القومي الكوردي في سوريا، وتصر على ذلك، في حين أن أحزاباً أخرى عازمة على الحضور ولكن بشرط استقلاليتها كمكون سياسي كوردي وليس ضمن صف أي مكون سياسي سوري آخر، ومنها من هي ملتزمة بمكون سياسي سوري معارض فلا ترى حرجاً في المشاركة ضمن قائمة غير كوردية معينة.

ومهما تكن هذه المواقف متباعدة وغير محددة فالكورد يبدون اليوم وكأنهم أمام معاهدة لوزان لعام 1923 من جديد، تلك المعاهدة التي عقدت من دونهم وحرمتهم من الحق الدولي الذي نالوه في معاهدة سيفر 1920، وهو “حق إقامة دولة خاصة بهم، مستقلة وحرة”.


المشكلة الكبرى التي تطفح على السطح، هي مشكلة حضور وفد يمثل نظام الأسد، فحضور هكذا وفد هو من باب الاعتراف بالنظام، والعودة إلى نقطة الصفر، بعد سنوات من الاقتتال الدموي وسلسلةٍ طويلة من المجازر، ومنها ما تم تنفيذها عن طريق السلاح الكيميائي، وبعد أن ارتفع عدد اللاجئين السوريين إلى ملايين صوب الدول المجاورة والبعيدة، وبعد كل الدمار الشامل الذي لحق بالبلاد من شتى النواحي.

حضور وفدٍ يمثل الحلقة الضيقة المحيطة بالعائلة الأسدية مرفوض تماماً من معظم السوريين، معارضةً وثواراً، وعدم حضور من لا يتخلى عن السلطة بإسم هذه الشريحة المستبدة بالشعب لا يساوي فلساً واحداً في نظر السوريين العازمين على الحضور.


وإن محاولة إرغام المعارضة السورية على الحضور وقبول الجلوس إلى قتلة الشعب الذي تسعى إلى تمثيله لن تنجح لسببين، الأول هو أن النظام بكل قوته وطغيانه لم يتمكن من القضاء على مقاومة المعارضة منذ استيلائه على الحكم قبل عقودٍ طويلة من الزمن، والثاني هو أن المعارضة المرغمة على الحضور والجلوس مع وكلاء الأسد ستفقد الدعم الذي لاتزال تلقاه من بعض شرائح الثورة السورية في الداخل، وسيكون ذلك بمثابة تعطيل المعارضة السورية، وبالتالي مساعدة نظام الأسد في البقاء ردحاً من الدهر.
لذلك، يسأل المرء نفسه عما إذا كان الجلوس إلى وكلاء القتلة والذين دمروا سوريا مساهمة منه في الجريمة الكبرى ضد الإنسانية، أو أنها مساهمة في دق المسامير في نعش النظام الأسدي الشمولي الدموي!!!

17-10-2013

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…