المخادعون

صلاح بدرالدين

  اذا كان من المبكر جدا استخلاص جميع دروس وعبر تجربة الثورة السورية وهي على أعتاب عامها الثالث لأنها مازالت في مرحلتها الأولى ولم تنجز بعد مهام اسقاط نظام الاستبداد وتفكيك سلطته القمعية وقواعده ومصادر تزويده بعناصر القتل والتدمير ناهيك عن مرحلتها الثانية في الكفاح السياسي مابعد الاستبداد ومهامها في التغيير الديموقراطي وإعادة البناء وماستتمخض عنها في مسيرتها التي أرادها النظام دامية والتي قد تقصر أوتطول من نتائج ومعالم ومسلمات تصب في مجرى حرية الشعب السوري وكرامته وتطور البلاد ورقيها ,
 فانه من الجائز الى جانب ذلك تلمس بعض جوانب هذه التجربة الفريدة بين الحين والآخر خاصة بمايتعلق بالتحديات الماثلة ومن أبرزها ماتتعرض لها من صنوف مختلفة مجتمعة في بلادنا من المكر والخداع نابعة من ثقافات مختلفة شرقية وغربية إسلامية شيعية وعلوية وسنية ومسيحية كاثولوكية وبروتستانتية ويهودية وغيبية وعلمانية ورأسمالية وشيوعية ومن العدو والصديق والقريب والبعيد والخارج والداخل واذا كان هذا كله يشكل تعبيرا عن مدى أهمية هذه الثورة وعظمتها ودورها في مستقبل المنطقة ففضلها الأعظم يعود الى قدرتها على كشف وتعرية كل أنواع الخداع والمخادعين .

 فعلى صعيد النظام : كشفت الثورة بفضل نهجها الصائب وشعاراتها الواقعية وممارساتها السليمة على الأرض في التعامل مع كافة المكونات بدون تمييز وصمودها وتمسكها بالثوابت الوطنية الأقنعة الخداعة عن وجه النظام واظهاره على حقيقته الفئوية الطائفية وزيف ممانعته اللفظية حول فلسطين والقضايا القومية واستهتاره بالسيادة الوطنية وازدواجية مواقفه تجاه الداخل السوري والخارج واخفاء حقيقة علاقاته العسكرية والأمنية مع ايران وروسيا وحزب الله وفي مسألة امتلاكه للسلاح الكيمياوي واستخدامه ضد الثوار ومناطق بأكملها آهلة بالمدنيين حيث خدع العالم كله والأمم المتحدة لعقود .
 أما على الصعيد الإقليمي : فقد انكشفت فصول الخداع من جانب النظام العربي الرسمي ممثلا بجامعة الدول العربية التي فقدت صدقيتها بخصوص الملف السوري ولم تقرن القول بالعمل في وعودها وعهودها تجاه محنة الشعب السوري ” الشقيق ” وظهرت أيضا مخادعة النظام التركي في عدم تنفيذ كل اطروحاته تجاه النظام حيث فاقم صبر – أردوغان – صبر أيوب أما جمهورية ايران الإسلامية فقد فقدت البقية الباقية من صدقيتها المتلاشية وظهر نظامها الحاكم على حقيقته القومية الفارسية الشوفينية المغلفة بالمذهبية الشيعية المتزمتة والأطماع – الإمبراطورية – تجاه المنطقة وبلدان الخليج على وجه الخصوص وقد سجل هذا النظام ومنذ اندلاع الثورة السورية الرقم القياسي بالخداع عبر السلوك – الباطني – وممارسة الشيء ونقيضه في آن واحد مستخدما حكومة المالكي المخادعة أيضا في العراق مطية في تنفيذ مآربه في دعم نظام الأسد بالسلاح والعتاد والمقاتلين والأموال .
وعلى صعيد حركات الممانعة : فقد كانت الثورة السورية السبب المباشر والحاسم في اظهار حزب نصر الله اللبناني على حقيقته العارية الطائفية المتزمتة واماطة اللثام عن شعاراته الخداعة حول المقاومة والمواجهة وكونه ميليشيا مذهبية مسلحة في خدمة الاستبداد والظلامية والتخلف وضد الثورة والتغيير الديموقراطي والتقدم وضد بناء الدولة الحديثة في لبنان أيضا .
 وعلى الصعيد الدولي : جاءت موجة ربيع الثورات وربيعنا السوري في مقدمتها بنهاية العقد الأول من القرن الجديد كاختبار لمدى عدالة النظام العالمي الجديد مابعد حقبة الحرب الباردة لتزيل الغشاوة عن الأعين وتؤكد من جديد عمق نفاق العظام والكبار حول حرية الشعوب وحقوق الانسان ومدى قدرة الكبار على الخداع خاصة وأن ثوراتنا الربيعية فاجأت الجميع واندلعت من دون أذونات وموافقات واذاكان عتاة الامبرياليين القدامى لم يفاجؤوا بترددهم ومبالغاتهم اللفظية وكرهم وفرهم الا السذج فان المنقلبين على النظم – الاشتراكية – باسم – البروسترويكا – وفرسان ثوراتها المضادة حققوا المعجزات في عالم المكر والخداع في القضية السورية على وجه الخصوص .
 أما على الصعيد الداخلي : فقد أظهرت انتفاضة الحراك الثوري الشبابي التي تعاظمت بموجات انشقاقات الجيش الحر والالتفاف الشعبي الواسع والاحتضان الجماهيري بالمدن والأرياف ليس مدى هشاشة الأحزاب والتيارات السياسية التقليدية – المعارضة منها شكلا والموالية فعلا للنظام – وضعفها وتخلفها فحسب بل بحثها عن الموقع والجاه والالتفاف على الثورة والتسلل اليها بكل وسائل المراوغة والخداع من أجل حرفها عن المسار والمساومة عليها بمقايضات ومناقصات تلتقي مع مواقف حماة السلطة ومؤسساته وقواعده في اجراء تعديلات شكلية من دون المساس بجوهر النظام وهذا مايراد تحقيقه في جنيف 2 .
 وعلى صعيد ” أكرادنا ” : فقد بلغ متزعموا أحزابنا التقليدية البالية التي فات أوانها أعلى قمة الخداع وبعد مرور أشهر على الثورة زعم قسم موالاتها بالكلام ومارس – الحياد – على الصعيد العملي وباع تنسيقيات الشباب والحراك الثوري الكردي المستقل معسول الكلام ثم مارس بحقهم كل أساليب الالتفاف والاختراق لاضعافهم بدل الدعم والاسناد أما القسم الآخر الأسوأ فقد والى سلطات النظام سرا بموجب اتفاقيات انكشفت للملأ وادعى نصرة الثورة لفظيا وتورط في عمليات إجرامية ضد النشطاء الكرد ودخل في صفقات مشبوهة لاختلاق مواجهات عنصرية بهدف تشويه صورة الثورة وعزل الكرد عنها كأداة لتنفيذ مشروع النظام ومازال القسمان على طريق الخداع .
  فهل بات واجب صد وكشف المخادعين من مهام الثورة الوطنية السورية ؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيض ا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…