أوباما و خطر الغوص في المستنقع السوري

  سالار صالح

يبدو أنَّه لا حل عسكرياً للأزمة المستمرة منذ ما يزيد عن سنتين و نصف السنة في سوريا, حتى تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها الرئيس الأمريكي باراك أوباما لنظام الأسد بشأن استخدام السلاح الكيماوي لم يكن بداية النهاية لنظام الأسد كما ظنَّ الكثيرين وإنَّما فتح الباب على مصراعيه أمام جولة جديدة و ليست قصيرة من المناورة و المراوغة من قبل النظام السوري و حليفه الروسي, قد تستمر زهاء سنة و ربما أكثر في عملية تسليم مخزون النظام من السلاح الكيماوي و طريقة تدميره و التخلص منه و أين ستتم عملية التدمير هذه؟
أسباب كثيرة دفعت أوباما بالعزوف عن قرار توجيه ضربة عسكرية لنظام الأسد و تجنب الغوص في المستنقع السوري الذي ربما يكون الدخول فيه مكلفاً كثيراً على الولايات المتحدة الأمريكية وقد لاتنتهي الحرب في ثمان و أربعين ساعة كما خطط لها أوباما, أيضاً قد لاتبقى آثار التدخل محصورة داخل حدود سوريا فقط فهي مرشحة للانتقال إلى دور الجوار التي تعاني مسبقاً من مشاكل داخلية مزمنة ذات صبغة طائفية عصية على الحل كالعراق و لبنان, من ناحية ثانية فإنَّ فوبيا الإسلام الراديكالي و الخوف من اتساع مناطق نفوذ الجماعات المتطرفة بعد الضربة العسكرية قد شكل عامل ضغط على أوباما,لاسيما أنَّ بوتين توجه من خلال وسائل الإعلام إلى الشعب الأمريكي محاولاً إقناعه بأنّ أي ضربة لنظام الأسد ستؤدي إلى تقوية نفوذ الجماعات المتطرفة و التي تشكل امتداداً لتنظيم القاعدة الإرهابي في سوريا و قد نجح بوتين في استمالة الرأي العام الأمريكي و الذي شكل  ضغطاً على البيت الأبيض و أعضاء الكونغرس الأمريكي للتراجع عن إقرار الضربة العسكرية الوشيكة ضد نظام الأسد, اسرائيل أيضاً لم تجد لها أي مصلحة في عمل عسكري غير مضمون النتائج ضد نظام الأسد لاسيما أنّ النظام كان عامل استقرار و أمان على جبهة الجولان المحتل بالنسبة لإسرائيل على مدار أربعين عام وبما أنّ أوباما يتعامل من منظار المصلحة مع الأزمة السورية و ليس من منطلق انساني و لايهمه ابداً أرواح الضحايا الأبرياء الذين سقطوا نتيجة استخدام النظام للسلاح الكيماوي و انما المهم بالنسبة إليه و اسرائيل هو تأمين السلاح الكيماوي و منع سقوطه في أيدي الجماعات الاسلامية المتطرفة مما سيشكل خطراً على أمن اسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية مستقبلاً, فقد قبل أوباما بالمبادرة الروسية القاضية بتجنيب النظام الضربة العسكرية مقابل التخلص من السلاح الكيماوي و إتلافه, متناسياً بذلك تهديداته بضرورة معاقبة النظام على استخدامه السلاح الكيماوي المحظور دولياً في ضرب الغوطة الشرقية والغربية من ريف دمشق  و الذي راح ضحيته ما يقارب 1500 قتيل بينهم نساء و أطفال أبرياء وهذه تشكل جريمة ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون الدولي الإنساني.
أوباما يحاول تجنب الغوص في المستنقع السوري لأن النتائج غير مضمونة و ربما تكون كارثية بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة و اسرائيل و في الشرق الأوسط,إلا انّ القبول بالمبادرة الروسية أيضاً يعني الانصياع و القبول بمسلسل الحيل الروسية السورية و التي قد تعني اطالة عمر النظام وتأجيل أي حل للأزمة في سوريا إلى أجل غير مسمى, حتى بوتين نفسه قد صرّح : )) إنه لا يمكنه التأكد بنسبة 100% منأن خطة تدمير الأسلحة الكيماوية السورية ستنفذ بنجاح، لكنه يرى مؤشرات إيجابية تدعو للأمل.)).
و باعتبار أنّ الخيار العسكري بتوجيه ضربة عسكرية للنظام لم يعد مطروحاً على الطاولة بعد قبول المبادرة الروسية لم يبقى أمام أوباما و حلفاؤه من حل سوى تسليح المعارضة السورية المعتدلة في محاولة لقلب موازين القوى و الضغط على نظام الأسد تمهيداً لعقد مؤتمر جنيف 2 و ايجاد حل سياسي للأزمة في سوريا من خلال بناء نظام سياسي بمشاركة النظام و المعارضة, و من ثم وضع حد لتنامي نفوذ الجماعات الاسلامية المتطرفة في سوريا و التي تشكل تهديداً للغرب و اسرائيل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…