خارج النظرية

 إبراهيم اليوسف

يحار الكاتب، وهو يقف مذهولاً أمام التداخلات الهائلة التي تجري من حوله، في المشهد الحياتي العام، وهويحتكم إلى معاييره الريخترية، حيث قطبان أحدهما سالب، وثانيهما موجب، ومابينهما المعتدل، في ذبذباته  نحو الطرفين المتناقضين، وفق مقتضياته الخاصة- وأولها العامل المنفعي- وإن كان لمقتضى الحال دوره الكبير-هنا- فلرب من اتخذ موقفاً مبدئياً، ليأتي بعيد صدمة ما، أوعثرة ما، كي يتخذ موقفاً انفعالياً، لينقلب ليس على الموقف المتَّخذ- من قبل- بل لينقلب حتى على ذاته، تحت سطوة ردة الفعل التي لابد من الابتعاد عنها، مهما كانت دواعيها، بل إن الكاتب النبيه لن يقع فيها، وإن كانت هناك لحظات التحول، في حياة أي إنسان، وهي حق مشروع، مادامت الحياة نفسها حركة دائمة إلى الأمام، وخير تحول هو ذلك الذي يكون نحو الأفضل، والمبني على لغة الواقع، لا على الانفعالات، ولاتوخياً لجنى المكاسب الذاتية، افتراضية كانت أم فعلية.
ولعل خيوط شبكة الحيرة، لدى من هو غير مسلح بالرؤيا العميقة، تجعله ينوس ذات اليمين وذات الشمال، لاسيما عندما يستغرق في بعض التفاصيل الصغيرة التي تحدث في موقع ما، وهو يسبغ عليه كل مقومات الطهرانية، مقابل انخداعه ببريق بعض التفاصيل المماثلة، وهي تتناقض مع بؤرة السوء التي انطلقت منها، بما يذكر بأمثولة”خضراء الدمن” التي قد تستهوي من لايرتكز على الرؤية العميقة، النافذة، التي لاتتوقف عند حدود الوقائع، بل تتجاوزها إلى سبر أعماقها، وهي خصيصة ملكة الحكمة، ونتاج التجربة والخبرة الطويلتين.
 
إن الأخطوطة التي تنطلق من فرز العالمين المتناقضين: السلب والإيجاب، إذ لكل حدوده، وصفاته، وعوالمه، وعلاماته الفارقة التي لا تلتقي- إلا مع ذاتها وديدنها الأصل- تصلح كي تكون الفيصل في أية قضية معروضة، حيث لاتخطأ بوصلة أحد، في ما إذا انطلقت من جواهر الأمور، وهي ترد السبب إلى المسبب، والناتج إلى المنتج، والفعل إلى الفاعل، حتى وإن كان هناك، ما يتراءى في المدى المرئي، حيث  شر الخير، أوخير الشر، وهذا المصطلحان:الخيرأو الشر، من ثقافة فقه الميتافيزيقي، بيد أن تجربة الإنسان، العامة منها، والخاصة، أكدتا له  ما هو صحيح  في مثل هذا الفرز، مادام القتل لن ينتمي إلا إلى دائرة ما هو مدان، ومرفوض، بل هو مكمن الجريمة، ومنبعها، وإن كانت تفاصيل الشرورالصغيرة الأخرى، تنهل من هذا المعين الموبوء عينه، كما هوحال تفاصيل ما هو خير في الحيز المغاير، أو الفضاء المختلف، المناقض.
 
 ثمة خلط، مذهل، غرائبي، عجيب،  بات يواجهنا أنى حللنا، ونحن نعاين مجريات اللحظة، بعد  بلوغ أثر الالتباس  محطاته الجديدة، وأمدائه الجديدة، إذ أن العجز عن فك شفرة أي معطى يومي، من قبل أي متابع للحدث، إنما هي مسؤولية الإنتلجنسيا، التي يفترض أنها تتخذ موقعها الجديد، وتنال ثقة الناس من حولها، على اعتبارها مهمومة بجزئيات حياتهم، وتكرس ذاتها من أجل المضي بهم إلى ضفاف الأمان، بعيداً عما يشوب حيواتهم من أذى ومتاعب، باتت تكثر مع انتشار الصورة الإلكترونية، أحد أدوات صناعة الالتباس، لاسيما بعد انتداب فقهاء التزوير جمهراتهم وحواشيهم للانتقال إلى الجبهة المواجهة، كي يحققوا ما يريدونه من داخلها، حيث الوحش في جلد الوعل، والمجرم يتزيا في هيئة الثائر، وهو يردد شعارات طاهرة، يتمترس وراءها، كي يشوه صورته، ما جعل المشهد في حاجة كبرى إلى ذلك المفكر الكبير، والباحث الجاد، والكاتب الملتزم، والسياسي البارع لقول كلمة الفصل، في كل ما هو ملتبس، واضح، كي تعود إلى الأشياء نقاوتها، ويعود الجمال إلى موطنه، والقبح إلى مرتعه،حيث  استطاع هؤلاء قلب الموازين، وفق تدبير، آني،لا مستقبل له.
 
elyousef@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…