المثقف الكردي وافتقاده لقوته الرمزية – المثقف الكردي في سوريا نموذجا –


حواس محمود
 لا يمكن قطعا الادعاء أنَ المثقف عامة والمثقف الكردي خاصة قادر على تغيير موازين القوى الكردية بصورة  آلية ميكانيكية مباشرة ، لأن وظيفة المثقف أساسا هي وظيفة توعوية معنوية ثقافية نقدية ، وعملية التغيير هي وظيفة السياسي
في هذه المقالة سنتحدث عن المثقف الكردي في سوريا وافتقاده لقوته الرمزية
بادئ ذي بدء يمكن القول أن الحدث السوري: الاحتجاجات الشبابية والشعبية – الثورة – الأزمة – (هذا هو التسلسل الزمني الذي تدرجت فيه الاحتجاجات الشعبية العامة في سوريا) كان له كبير الأثر على الحالة السياسية الكردية التي لم تكن تمتلك العدة السياسية التاريخية للقيام بمهمة الانتقال المرحلي، ومواكبة المستجد التحولي الكبير باندلاع ثورات الربيع العربي في غير دولة عربية ، وارتداده سوريا باحتجاجات شبابية وشعبية عارمة عمت معظم المدن والأرياف انطلاقا من درعا،
وكان لها صداها الواسع سياسيا وثقافيا ، وهنا تجدر الإشارة إلى غياب دور المثقف  طيلة  الفترة الزمنية من 2011 إلى اليوم الراهن، لم يستطع المثقف الكردي في سوريا أن يبني لنفسه قوة رمزية معنوية وذلك بايجاد وسائل وآليات تعبير وتأثير قادرة على نقد السياسي في تفكيره وفي ممارساته الميدانية (صحف – قنوات فضائية – مواقع الكترونية) ، فالحركة السياسية الكردية ، أحزابا، ومن ثم مجلسا وطنيا كرديا، ومجلسا غرب كردستانيا، فهيئة كردية عليا، وقعت في حالة إرباك شديدة، ارتبطت إلى حد كبير بارباك المعارضة السورية، وبإرباك السلطة السورية، ارتباطا بتعقيدات دولية وإقليمية، تركت بصماتها الواضحة على كل الحراك السياسي في سورية، لم تتفاعل الحركة السياسية الكردية بشكل ايجابي في بدء الاحتجاجات الشبابية الكردية في المدن ذات الغالبية الكردية، ولكن بعد اشتداد الحراك الاحتجاجي اضطرت إلى مواكبتها ومسايرتها، أملا بإمكان حصول تغيير قريب سوريا، لكنها عادت وابتعدت عن الحراك بعد أن فقدت الأمل بأي تغيير ملموس وقريب على الصعيد السوري العام، وغطت وبررت عجزها وبعدها عن المشاركة الاحتجاجية بامتناع المعارضة عن الاعتراف بحقوق الشعب الكردي بشكل صريح، ووجدنا مظاهر هذا السلوك بشكل جلي في انسحابات الوفد الكردي في أكثر من اجتماع ومؤتمر للمعارضة السورية، في الوقت الذي لم تستطع (عبر مجلسيها الوطني الكردي وغربي كردستان) أن تدافع عن الشعب الكردي وتحميه  أمنيا واقتصاديا واجتماعيا، فعانى الشعب الكردي كثيرا ببقائه بين بين المعارضة والسلطة، وحصل الفساد والإفقار والقمع الأمني، مما أدى إلى الهجرة الكردية الواسعة إلى دول الجوار، وحصلت خلافات بين قوى سياسية كردية مختلفة وصل إلى حد الاقتتال الأخوي في عامودا 27-يونيو الماضي
كل هذا من شأنه أن يثير السؤال الكبير ماذا يعمل المثقف الكردي ؟ وما هو دوره ؟ وهل من اهتمام شعبي بدوره ؟ .

ولماذا يفتقد قوته الرمزية ، وبعبارة شديدة التبسيط أن الكثيرين يدَعون امتلاك الثقافة وبالتالي يحصلون على صفة المثقف- للأسف – دون أن يمتلكوا أدنى سمات المثقف ، والساحة الكردية  مليئة بهم ، مستغلين غياب الجامعات والمؤسسات الاكاديمة والإعلامية والتخصصية ذات الشأو والوزن والقيمة ، والناس البسطاء يروجون  للسياسي وللفكر الحزبي الضحل والضيق ، تماما كما كان يفعل الكثير من الذين ادعوا الثقافة والفكر  وروجوا لحزب البعث طويلا ، وذلك طمعا في فتات كان يرمى لهم هنا أو هناك ، ضاربين عرض الحائط بكل القيم الثقافية النبيلة التي ترفض الفساد والظلم والقهر والمعاناة ، وتدعو إلى الحرية والعدل والمساواة

نحن الآن لا نمتلك أي مقياس موضوعي إعلامي أو ثقافي (في ظل الفوضى العارمة في المشهد الكردي السوري واختلاط السياسي بالثقافي ، واختلاط الأمني بالمدني) ليبين لنا من هو المثقف الحقيقي صاحب الرؤية الثقافية والذي يمكن الرجوع إليه أيام النوائب والمصائب والنكبات ، كلهم يدَعون الثقافة ، وبهذا فهم يشوهون اللوحة أمام المواطنين الذين يتابعون بدهشة وحيرة كبيرة سيرورة الوعي الكردي المشوه، والملتبس ، فيتيه المواطن ، ولا يدرك ولا يعرف كيف يختار وإلى من يتجه، علما أن هناك مثقفون كرد معروفون ولهم باع واسع في الثقافة والفكر يمارسون عملهم الثقافي ويقومون بنقد وتصويب السياسة الكردية في كل مرحلة تاريخية فاصلة ، إلا  أنَ العديد  من المثقفين لا يتجرأ قول الحق في ظلمات القمع وغياب المناخات الحقيقية للديموقراطية، فإما أن يلجأ بعضهم للصمت أو إلى الجرأة المخففة ، أو إلى الإنحياز إلى السياسي وخدمة أغراضه ومصالحه الخاصة ، فتضيع الحقيقة التي من المفترض أن تكون ساطعة وناصعة وصادرة من المثقف الحقيقي لتبيان حقيقة الأحداث وبخاصة ما جرى في عامودا ، حتى لا يتكرر المشهد المأساوي مرة أخرى ، لأن القوة الناعمة (وهنا هي الثقافة الجادة المسؤولة) لها تأثير كبير على المجريات مع مرور الزمن فهي كالمطر الناعم الرذاذ الذي يفعل مفعوله المنتج في الأرض الخصبة ، بعد أن تحين المواسم عطاء وإنتاجا تتميز بالجودة والنماء والوفرة

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…