المؤتمر القومي الكوردي …ليس أقل من الشروع في إقامة دولة كوردية .

سليم عمر

قبل مائة عام أو  يزيد ، نظّمتْ الشعوب  المجاورة للكورد أمورها ، و عقدتْ مؤتمراتها  ، و شرعت في بناء كياناتها القومية  .

الآن ،  و بعد عشرة عقود من الزمن ، قرّر الكورد عقْد مؤتمر قومي .

نحن متخلّفون عمّن حولنا بقرن كامل.

قبل ذلك ، و خلال ذلك ، تحكّمت تلك الشعوب بإرادتنا ، أصبحنا وُقوداً لفتوحاتها ، و لنزاعاتها ، و لحروبها القديمة و الحديثة ، ضحّينا من أجل نوازعها الاستعمارية ، و ساهمنا مخلصين في بناء دولها الحديثة ، و قدّمنا لها ، ما لم تقدمه هذه الشعوب لنفسها ، و لذلك فلم يكن غريبا ، أنْ نَسَب أتاتورك الجندي المجهولَ  إلى الكورد ، حين وقف أمام نُصْبه .
 و عندما استيقظ الكورد متأخرين ، و طالبوا بحقوقهم ، فإنهم جوبهوا بالنكران ، و بالحروب ، و بالإبادة الجماعية .

أنكرت الأنظمة المتعاقبة لهذه الشعوب أي حق إنساني ،أو ثقافي ، أو قومي للكورد ، و أجْمعت فيما بينها ، على أن تقف مجتمعة بوجه طموحات الكورد ، كبُرتْ هذه الطموحات أو صغُرتْ .

لم يشفعْ للكورد ، أنهم خدموا هذه الشعوب ، على مدى قرون ، و أنهم بذلوا كل جهد ، و مال ، و دم ، في حروبها العدوانية ، و أنهم كانوا مثالا للشجاعة ، و للإخلاص ، و لنكران الذات ، و لكن كل ذلك لم ينفعْ ، و قد آن الأوان ، لأن يكافح الكورد من أجل أنفسهم ، لأن يضحوا من أجل مستقبلهم ، لأن يبذلوا كل شيئ من أجل المحافظة على وجودهم ، أن يقفوا على قدم المساواة مع شعوب الأرض ، أن يرفرف لهم علمٌ في المحافل الدولية ، إلى جانب جزر ( توفالو ، و  سان مارينو ، و  مالطا ) .

لقد آن الأوان ، لأن يشْرعَ الكورد في إقامة دولة مستقلة ، لأن يكون الهدف الأول لهذا المؤتمر القومي ، الذي تأخر كثيرا ، و الذي طال انتظاره ، دولة كوردية مستقلة ، و ليس أقل من ذلك ، و في غربي كوردستان على وجه التحديد .

لقد ظلّ الكورد ، و طوال عشرات العقود من كفاحهم ، ينادون بالسلام ، و بالتآخي ، و بالحوار ، و بالعيش المشترك .

لقد طالبوا باللامركزية ، و طالبوا بالحكم الذاتي ، و طالبوا بالفيديرالية ، و طالبوا بالحقوق الثقافية ، و طالبوا بالمساواة ، إلا أن كل نداءاتهم ذهبت أدراج الرياح ، و لم يجدوا لمطالبهم آذانا صاغية ، الأنظمة الغاصبة لكوردستان ، لم تستجب لأيٍ من هذه المطالب ، و إن استجابت لبعض الوقت ، فلكي تتدبّر أمورها ، و من ثم تتنصل من كل شيئ ، و تعلن عليهم حربا جديدة ، إنها تريد للكورد أمرا واحدا : أن يرفعوا الراية البيضاء ، و أن يبقوا خدما لهذه الشعوب  أبد الدهر ، و لذلك فإن على الكورد أن يتخلوا عن هذه المطالب ، أن يترفّعوا عن لغة الاستجداء ، أن يستكتشفوا تاريخهم من جديد ، و أن يتّعظوا من تجاربه ، و من دروسه ، أن يتخلصوا من ثقافة العبودية ، فقد كانوا طوال هذه القرون مَلكيّين أكثر من الملك ، يلتزمون بالقوانين و بالدساتير التي كبّلهم بها أعداؤهم ، و يقدّسون هذه الحدود الاستعمارية التي جزأت كوردستان ، و حولتهم إلى عبيد .

منذ أكثر من عقد ، لم يستطع الكورد في جنوب كوردستان أن يعيدوا شبرا من الأرض التي عمل صدام على تعريبها ، منذ عقد من الزمن يعمل الكورد على إعادتها اعتمادا على الدستور ، فالكورد ملتزمون  بالدساتير و بالقوانين ، فهذه الميزة متأصلة فيهم ، و تجري مع الدماء في عروقهم ، إنها جزء من ثقافة العبودية ، و على الكورد أن يتحرّروا منها ، أن يخْرقوا هذه الدساتير التي كبّلت أيديهم ، و أن يمسحوا من أذهانهم ، هذه الخطوط  التي جزّأت كوردستان ، فالمتردّدون  و الضعفاء ، هم الذين يملؤون الفضاء صراخا ، أما أصحاب الإرادة ، أصحاب الحق ، فإنهم يرمون كل ذلك وراء ظهورهم  .

على الكورد ، أن يمتنعوا عن الصراخ ، أن يرموا الاستجداء جانبا ، – الحقوق تؤخذ – على المؤتمر القومي الكوردي ، أن يكون فاصلا بين عهد العبودية ، و ثقافة العبودية ، و بين بزوغ الإرادة ، أن يشْرع في العمل على إقامة الدولة الكوردية ، و في غربي كوردستان .

و لكن لماذا في غربي كوردستان ؟ .
لأن الوضع هنا مختلف عن شماله ، و عن جنوبه ، و عن شرقه ، للكورد الحقّ في بناء مشاريعهم على أرضهم التاريخية ، أين شاؤوا ، و متى ما أرادوا ، و لكن من حقهم أيضا أن يوازنوا ، و أن يدرسوا ، و أن يخططوا ، و أن يوفروا كل الأسباب لإنجاح مشاريعهم ، و في غربي كوردستان ، برزت  ظروف ، و استجدت أحداث ، و توفرت مناخات ، ما لا نجدها في الأجزاء الأخرى ، فالحرب المستعرة في سورريا ، قد أتت على الأخضر ، و على اليابس ، و حولتها إلى دولة فاشلة ، و جعلت منها الحلقة الأضعف بين الدول المقتسمة لكوردستان .

حرب السنتين و النصف المستمرة ، أنهكت النظام ، و أفقدته السيطرة على زمام الأمر ، فهو يصارع من أجل البقاء .

تحولت سوريا جراء هذه الأحداث إلى ساحة لمشاريع كثيرة و متنافرة ، إقليمية و دولية ، و من حق الكورد أن يكون لهم مشروعهم قبل أية جهة أخرى ، إنهم لا يحتاجون إلى قرار ، و لا إلى تفويض من أيّ كان ، فالأمر يخص وطنهم ، يتعلق بوجودهم ، و بمستقبلهم .

لقد سنحت للكورد فرصة تاريخية جديدة ، و يتوجب على الكورد اقتناصها ، فالفرص التاريخية لا تتكرر ، و إن حدث ، فبعد مضي قرون ، فهل سيبقى الكورد خارج الزمن ، ينتظرون قرنا وراء قرن ؟ ! .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…