أمريكا تلعب بالنار ِلتُرقِّصَ دول الجوار

الدكتور صلاح الدين حدو
كثرت في الآونة الأخيرة قراءات مابين الأسطر والتي تصب جميعا في أن ثمة دخان أسود يتصاعد من مدخنة المطبخ الأمريكي المختص بالشرق الأوسط .

و لزاما على الشارع الكوردي التنبه كي لا يتكرر أسلوب استعمال الكورد كشماعة للشيطان .
لقد عاقبت الدول الاستعمارية في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين كوردستان والشعب الكوردي بحقد قل مثيله في التاريخ متجلياً باتفاقية سايكس بيكو التي قسمت كوردستان لأول مرة إلى أربعة أقسام وحرمت الشعب الكوردي في زمن النزعات القومية من التمتع بدولة قومية أسوة بكل قوميات الدنيا ، لا بل أمعنت في غيِّها اثر استبدال معاهدة سيفر بمعاهدة لوزان ، وقد تجلَت لوحة الثأر بدخول الجنرال غورو لمدينة دمشق وركله لقبر صلاح الدين الأيوبي معلنا عودة النفوذ الأوروبي للمنطقة ، وقد مررت سياسات غض النظر من القوى الاستعمارية تجاه الدول المقتسمة لكوردستان في تمرير سلسلة منظمة من جرائم الإبادة والإفقار بحق الشعب الكوردي من بوطان إلى ديرسم ، إلى مهاباد ، إلى تشتيت كورد الاتحاد السوفيتي السابق ، إلى راوندوز وبارزان ، إلى الإحصاء و الحزام والتعريب .
إلا أن الدور الأمريكي المناهض للكورد تجلى على يد مهندس سياستها الخارجية في سبعينات القرن الماضي السيد هنري كيسنجر عرَاب اتفاقية الجزائر عام 1975، التي فتحت الباب على مصراعيه لديكتاتور العصر وطاغيته المقبور بالتنكيل بالشعب الكوردي في جنوب كوردستان واستجرت فيما بعد الأنفال وحلبجة ، ولم يكن سراً تلقي  ديكتاتور العراق المقبور الدعم الأمريكي المباشر أو غير المباشر عبر دول النفط في حربه العبثية مع إيران للحؤول دون تصدير المد ألتشيعي الإسلامي في الثمانينات .
أما في تركيا – شرطي الناتو الطفيلي – فقد رعت أمريكا انقلاب العسكر عام 1980 وما انبثق عنه من حكومات موغلةٍ في عنصرية تعاطيها مع المسألة الكوردية ، وتوَّجت أمريكا دورها الغير أخلاقي في نهاية القرن العشرين تجاه الكورد في تسليم زعيم حزب العمال الكوردستاني عبد الله أوجلان لتركيا عبر مؤامرة دولية قذرة جرحت مشاعر الكورد حول العالم .
إن تقاطع المصالح بين التحالف الذي قادته أمريكا لإسقاط ديكتاتورية العراق مع تطلعات الكورد نحو الحرية والديمقراطية و قيام فدرالية كوردستان لاحقاً  أسدل ستاراً شفافاً من (التغاضي  الحذر) عن أخطاء سياسات أمريكا التاريخية بحق الكورد لا حباً ولا عشقاً كما يحلو للبعض الشوفيني اتهام الكورد به و لكن مقارنة مع عمر الإنكار و النكران والمجازر والويلات والاضطهاد التي لقيها الكورد من شركاء الوطن؟؟؟!!!! من جهة ولمماشاة موضة العصر في استرضاء أمريكا وهرولة دول الجوار للتمسح بها وخاصة إثر ضربات الحادي عشر من أيلول الإرهابية .
إلاًّ أنًّ (ستار التغاضي الحذر) بدأ بتلقي الخروقات الأمريكية له منذ الأيام الأولى عندما قصفت الطائرات الأمريكية موكب القائد العسكري وجيه البارزاني وصولاً إلى الضغوطات الكبيرة على الزعامات الكوردية أيام بول بريمر لتقليص الامتيازات الكوردية من الدستور المؤقت إلى تقرير بيكر – هاملتون  إلى الإلحاح لإشراك البيشمركة في صراعات بغداد الطائفية انتهاء بقصف حاجز للبيشمركة قرب الموصل وانتهاءً بالعراقيل أمام تطبيق المادة 140 في كركوك .
وعلى المحور الآخر إيفاد الجنرال المتقاعد جوزيف أرلستون لتقديم المساعدة لتركيا في شؤون الـ pkk وصولاً إلى تمرير الضوء الأخضر لفرنسا (المعارضة الأولى لدخول تركيا لاوروبا) في اعتقالها بعضاً من الكادر السياسي واللوجستي للpkk تحت ذريعة الإرهاب إلى الإيعاز للمحكمة الأوربية برفض طلب إعادة محاكمة الزعيم عبد الله أوجلان إلى مباركة الهجمات الأحادية والثنائية المنسقة بين الجيش التركي والإيراني في الهجوم على قواعد حزب العمال الكوردستاني والمنظمات المنبثقة عنه على خلفية السجال بينهم حول القوة النووية الإيرانية ولعب تركيا على الوتر الإسلامي في البحث عن دور لها  .
إن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في تلبية مصالحها والمرتكزة على سياسة الجزرة والعصا نجحت في حشد الحقد والكراهية ضدها من الشعوب الإسلامية في المنطقة بمذهبيها السني من الترك والعرب والشيعي  من العرب والفرس رغم هرولة حكام تلك الشعوب لتقديم الولاءات لها على حساب إصلاح ذات البين مع شعوبهم .

وإن الكورد الخارجين من حملات الإبادة التي تعرضوا لها على يد أخوانهم في الدين ؟؟!! هم أبعد الشعوب عن الإرهاب خاصة بعد تنشقهم لبضع نسمات عليلة تحمل عبق الحرية في طياتها، وعليه من غير الحكمة أن تلعب أمريكا بالنار لترضي دول الجوار وتكتسب حقد الكورد المظلومين تاريخيا والذين لا يملكون ما يخسرونه إذا ما ضيقت عليهم فسحة نسمات الحرية بعد عهود الإبادة والظلام .

عفرين   2007

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…