مقدمة في مفهوم المواطنة: الحالة الكردية في سوريا أنموذجاً

حسن مشو

 

لقد وردت كلمة المواطن في كتابات الفلاسفة القدماء إلى جانب كلمات: الأمة- الشعب- إلخ، كتعبير عن أفراد المجتمع، مما يدل على أبعاد المواطنة وأهميتها منذ القديم ، وقد كانت المواطنة مشروطة بعدة شروط في تلك المجتمعات كالجنس، والعمر، والوضع الاجتماعي، والمهنة، وغيرها، وقد كانت تلك الشروط السبب في تمتع بعض الناس بحق المواطنة، دون الآخرين.

ونتيجة لتطور المجتمعات، فقد تبلور مفهوم المواطنة، ولا سيما في المجتمعات الديمقراطية، لأن المواطنة الحقيقية والفاعلة، لا تكون إلا في مجتمعات ديمقراطية، لأن الأساس فيها هو المواطن التي تتجلى فيها بوضوح أبعاد المواطنة، إضافة إلى وجود المؤسسات ، والقوانين التي تعمل على تنظيم الحياة السياسية، والإجتماعية، والاقتصادية، وتمارس الحقوق والواجبات، والمشاركة في الشأن العام، وتكون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية مصونة فيها ويشعر الإنسان فيها بمواطنيته على عكس المجتمعات القديمة التي كانت المواطنة فيها مقيدة بشروط عدة، كما حال أجانب محافظة الحسكة- في الوقت الحاضر- الذين جردوا من جنسيتهم، وأبعدوا عن المشاركة في الحياة العامة، نتيجة ذلك، لا لشيء ، إلا لأنهم كرد!.

على الرغم من تبني مفهوم المواطنة في كافة الدساتير والبرامج السياسية، والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، يبدو والحال هذه أن الحياة تسير في الاتجاه المعاكس نحو العصور القديمة حيث المواطنة المشروطة.

وقد اعتبرت المواطنة في العصر الحديث بأنها عبارة عن مجموعة من الحقوق والواجبات التي يتمتع بها أفراد الدولة، أو هي الجنسية التي يمنحه حقوقاً وتترتب عليه واجبات تفترضها هذه الجنسية، ولما كانت حقوق الإنسان هي مجموعة الحقوق الملازمة لإنسانيته ،وليست منّة من أحد لذلك، على الدول أن تكيّف تشريعاتها، وأنظمتها، بما يحترم ويكرس هذه الحقوق، كما أن كافة التشريعات الدولية، قد تبنّت احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية .

وعندما قامت الدولة في عام1962في محافظة الحسكة بتجرد مواطنيها من جنسيتهم بحجة الإحصاء الإستثنائي فأخرجتهم من عداد المواطنين خالفت بذلك دستورها وكافة المواثيق الدولية لأنه تم غصب حقوقهم ومنعهم من أداء واجباتهم كمن يحكم عليهم بالسجن لأنهم محرومون من أبسط حقوقهم.

على الرغم من النصوص الدستورية الواضحة ومنها : المادة 25- المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات.

والمادة 26- لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية وينظم القانون ذلك .
والمادة 27- يمارس المواطنون حقوقهم ويتمتعون بحرياتهم.

ولدى النظر لأوضاع المجردين من جنسيتهم نرى عدم المساواة بينهم وبين باقي المواطنين وكذلك مبعدين عن الإسهام في الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية ولا يمارسون حقوقهم ولا حرياتهم ولا يستطيعون العمل في وظائف الدولة ولا السفر ولا التملك ولا غير ذلك من الحقوق الواردة في الدستور السوري ويبدو أن الدستور السوري شرع للتمييز بين المواطنين لا للمساواة بينهم!.

وبمقتضى ميثاق الأمم المتحدة يجب على الدول الإلتزام بتعزيز الإحترام والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية فقد نصت المادة الثانية من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على تعهد كل دولة طرف في هذا العهد بإحترام الحقوق المعترف بها فيها وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها دون أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا أو غير سياسي أو الأصل القومي أو الأجتماعي أو الثروة أو النسب أو غير ذلك من الأسباب.

وتضمّن أيضا تعهد كل دولة طرف في هذا العهد إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد بأن تتخذ طبقا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد ما يكون ضروريا لهذا الأعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية.

والفقرة الثانية من المادة الثانية عشرة من نفس المرجع:لكل فرد حرية مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده.

والمادة السادسة عشرة:لكل إنسان في كل مكان الحق بأن يعترف له بالشخصية القانونية.

ولكل طفل حق في إكتساب جنسية.

اما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 فقد تضمن حق المواطنة في الكثير من مواده ومنها لكل إنسان في كل مكان الحق بأن يعترف له بالشخصية القانونية، ولكل فرد حق التمتع بجنسية ما ولا يجوز تعسفا حرمان أي شخص من جنسيته ولا من حقه في تغيير جنسيته، وكذلك لكل فرد حق التملك وحق المشاركة في إدارة الشؤون العامة وحق تقلد الوظائف العامة وحق العمل.
من خلال المقارنة بين هذه المرجعيات الدولية وبين الدستور السوري نجد الكثير من الإختلافات فيما يتعلق بالمواد الواردة في هذه الدساتير الدولية والدستور ولا سيما فيما يتعلق بالمواطنة لأنه نجد عدم الإعتماد في الدستور على هذه المواثيق الدولية كمرجعية لأن تجريد الإنسان من جنسيته يفقده كل حقوقه الإنسانية وحرياته الأساسية وكأنه والعدم سواء.

مع العلم بأن سورية من الدول الموقعة على كل هذه المواثيق الدولية والمنادية بإستمرار بتطبيق بنودها.
وإذا كانت المواطنة تعني الجنسية فإن بفقدانها تنفي أي رابطة قانونية وسياسية بين الفرد والدولة والتي من المفروض أن تكون أقوى الروابط وأسماها لأنها تتضمن الحقوق والواجبات والمشاركة والمساواة مع الآخرين لأن المواطنة والحقوق والواجبات تجمعها رابطة قانونية وسياسية وثيقة وبموجبها يصبح الفرد عضوا في مجتمع الدولة وهي حاجة إنسانية وإجتماعية وسياسية ولجميع أفراد الدولة ويشعر كل فرد في الدولة بمساواته مع الآخرين.

* محامي وناشط في مجال حقوق الإنسان
mashohassan@hotmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…