مُتابعات تلفزيونية

حسين جلبي


1.

أول كلبيــــج…

يُصادف اليوم مرور 56 عاماً على تأسيس أول حزب كُردي في سوريا.
المناسبة، و كما في كل عام، هي فرصة رائعة لجميع مسؤولي الأحزاب الكُردية للعودة إلى الحوار البيزنطي الذي يُحبونه حد العشق، و يتقنونهُ حد الإبداع، و الذي لم ينقطع بينهم يوماً حتى أصبحت لديهم خبرة تراكمية كبيرة فيه، يدور الحوار التاريخي في مثل هذا اليوم من كل عام حول السؤال الجوهري عن تسمية الحزب الذي تأسس في 14 حزيران 1957: هل يا تُرى كان إسمهُ الحزب الديمقراطي الكُردي أم الحزب الديمقراطي الكُردستاني؟ و قد أصبح هذا الخلاف الفقهي شبيهاً بالخلاف التاريخي بين السنة و الشيعة الذي وصل عُمره إلى ألف و أربعمائة عام فقط، و يبدو أنهُ سيُصبح مثلهُ خلافاً أزلياً سترثهُ الأجيال القادمة، و لا يُستبعد أن يتسبب في يومٍ ما في حروب حزبية.

بالمناسبة تابعت اليوم حواراً شيقاً عن هذا الموضوع المُثير، الذي يشغل بال الكُرد كثيراً و يُهدد مصير الأُمة الكُردية على قناة (روداو)، و ذلك بين مسؤلَين في حزبين كُرديين مُختلفين، إنتهى الحوار كالعادة بالتعادل، لذلك تم تأجيلهُ لضيق الوقت إلى لقاء قمة مُستقبلي سيُقام في العام القادم.
الطريف أن أحد المسؤلَين المُشار إليهما شبه الحزب الكُردي الأول حرفياً بـ(الكلبيج الأول) الذي بُنيت عليه الأحزاب الأُخرى، و الكلبيج كما هو معروف كُردياً هو اللبَنة في اللغة العربية، و يتكون من التُراب و الماء حيثُ يُضاف إليه التبن ليتماسك، فيتم تحريك الخليط و الدعس عليه حتى ينسجم، و من ثم وضع كمية منهُ كل مرة في قالب و تركه حتى ييبس، أما عند إستعمالهُ في البناء فيتم وضع وحل مُماثل البُنية بين الكلبيجات لكي لا يسقط البناء.
لن أقول أن ترجمة الكلمة من لُغة إلى أُخرى لإستعمالها لذات الغرض هو أمر مُضحك أحياناً، و لكني أعتقد أن هناك من سرق التبن من (الكلبيج) الأول و إستعملهُ لأغراض الشخصية، و لذلك إنهار البناء و لم يتبقى منهُ سوى الأطلال، التي تنعق عليها الغربان اليوم.
*          *          *
2.

في عيادة الطُب النفسي…
مرَّ وقتٌ طويل على الإعلان عن تأسيس (الإتحاد السياسي) بين أربعة أحزاب كُردية في القامشلي، و هو إتحادٌ كان المُفترض به أن يكون اللبَنة الأولى أو (الكلبيجة الأولى) للوحدة الإندماجية بين أحزب الإتحاد الأربعة.
تابعتُ أمس عبر برنامج زلال للإعلامي المُتألق بهزاد ميران، و الذي يُعرض على قناة زاغروس، بداية حوارٍ حول أسباب تعثر الإتحاد و الحلول الناجعة للمُعضلة التي يجد أعضائهُ أنفسهم فيها، في بداية كلامه عن الموضوع قال القيادي في أحد أحزاب الإتحاد أن السبب في عدم نجاح التجارب الوحدوية بين الأحزاب الكُردية حتى الآن، و منها تجربة الإتحاد السياسي، هو (سوسيولوجية أعضاء الأحزاب الكُردية التي تعودت على أحزابها، و لا تستطيع بالتالي الإنتقال للعمل أو النضال في حزبٍ جديد هو نتاج عملية وحدوية بين الأحزاب نفسها)، أي أن نفسية الشعب الكُردي هي السبب في تجذير الإنشقاقات الحاصلة حتى الآن و ليس مادية قادة الأحزاب، حتى أن الأعضاء تعودوا (دايماً) على التقوقع ضمن أحزابهم و لم يعودوا يرتضوا لها بديلاً حتى الموت، و أحزابنا تكون و الحال كذلك مُجرد مصحات نفسية يحتاج سُكانها إلى علاج نفسي بالصدمات حتى يبرؤوا من مرض عشق أحزابهم و عيون مسؤوليها، فيرضون بعد العلاج بالوحدة كقسمة و نصيب، و كل ذلك سيكون بعد عُمرٍ طويل على أيدي هؤلاء القادة العظام الذين بإمكانهم ممارسة الطب النفسي بسهولة مثل أي شأن آخر .
لكن ما غفل المُحلل النفسوي الحزبوي عن تفسيرهُ هو: لماذا تتقبل (سوسيولوجية) أبناء الشعب الكُردي، و خاصة الحزبيين منهم العمل و التعايش و التأقلم مع أحزاب جديدة ناتجة عن إنشقاقات بينما لا تتمكن من ذلك مع حزب جديد ناتج عن تجربة وحدوية؟
فعلاً مدرسة جديدة في التحليل النفسي أدت بي إلى التوقف فوراً عن متابعة البرنامج.
تهانينا، و من نجاحٍ إلى آخر، سدد اللهُ خُطاكم.
حسين جلبي
jelebi@hotmail.de
فيسبوك:
https://www.facebook.com/hussein.jelebi/posts/627061320638575

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…