المجلسُ الوطنيّ الكرديّ حبيس القمقم

صبري رسول

جاءت ولادةُ المجلس العتيد بعد حوارات ماراثونية طويلة جداً، وهذا المُنجَز السياسي جاء متأخرأ زمنياً.

فقد جاءت بعد ستة أشهرٍ من انطلاقة الثّورة السّورية 26/10/2011م، وهذه المدة تُعدُّ طويلة قياساً بالمتغيرات السياسية السريعة، والمستجدات التي تظهر بين يومٍ وآخر، وبالتطورات العسكرية على الأرض.

لكن تفاءل النّاس خيراً ووجدوا أنّه خطوة صحيحة وإيجابية بل وتاريخية.

إلا إنّ المجلس تعثرت خطواته بعد الانطلاقة المندفعة، بعد محاولة بعض الأطراف الاستئثار به، وجعله مطيةً لتحقيق مكتسبات حزبية وشخصية.
المؤتمر الثاني لم يكن أكثرَ من محطة مرورٍ وتذكيرٍ بوجود كيانٍ سياسيّ مازال يتنفّس، وبقي في مركز الإنعاش، يرتبط به وبحالته عشرون مجلساً محلياً في المدن والبلدات الكردية، وفي أماكن التواجد الكردي في إقليم كردستان وأوربا والخليج، مما انعكس الأمر على الشراكة بينه وبين مجلس شعب غرب كردستان ضمن اتفاقية هولير، ورغم الظروف المعيشية والخدمية المزرية جداً في كثيرٍ من المدن والبلدات إلا أن أحزاب المجلس لم تحرّك شيئاً وكأنّ الأمر لا يعنيها.
فشل المجلسُ في فرض نفسه على أطر المعارضة السورية، وخرج من مؤتمرات المعارضة كمهرجٍ في مسرحية هزلية، كما لم ينجح في استقطاب الجماهير الكردية في الداخل، ولولا الدعم المتميّز من إقليم كردستان لبات جثّة مسجى على نعشٍ ينتظر الدّفن.
لا أعتقد أنّ المجلس بآلياته المهترئة والمتخلّفة، وبقادته الذين تسبّبوا في التّشتّت السّياسي والتّنظيمي، والذين قضوا نصف عمرهم في المهاترات والانشقاقات، والنّصف الآخر في البحث عن الذَّات، قادرٌ على إنجاز أدنى متطلبات المرحلة الحسّاسة للشعب الكردي.
المجلس الوطني الكردي يعاني حالة من الانقسام الدّاخلي، نتجت عن الاصطفافات السياسية التي تأثّرت وتغربلت من الأحداث العامة، والموقف من أطياف المعارضة وأطرها، والتطورات التي حدثت في المناطق الكردية، ولجوء بعض القيادات إلى المتاجرة بالثورة، وركوب الموجة، والتسلّق على أكتاف الشباب الثّوري، والبحث عن التسويق الإعلامي لاستعادة المصداقية المفقودة من الشارع الكردي، ودفع ضعفُ المجلس بعض الأحزاب الهزيلة الذّيلية إلى البحث عن تشكيل كيانات أخرى مع المعارضة السورية (اتحاد الديمقراطيين السوريين) في القاهرة 13/5/2013م.

كما لا يتوانى البعض من جعل المجلس وقراراته على مقاسات تفكيرهم ومصالحهم.
ولا ننسى أنّ قادة بعض الأحزاب أعلنت أنها تملك قوةً عسكرية تحارب في مناطق عدة، لإظهار قوتهم، ويعرف الجميع أنّ مثل هذا الحزب ينحصر نطاق عملها ضمن أسرة واحدة، ولا يملك رصيداً في دكاكين السياسة، بينما المجالس المحلية في المدن تخلو من وجود ممثلين لهم.

حاول المجلس مؤخّراً الخروج من القمقم، فتمّ تشكيل لجانه وفق مقررات المؤتمر الثاني، لكن هذا لا يعني أنه استعاد عافيته، لأنّ المرضَ الذي أقعَدَه شهوراً مازال ينهشُ جسمَهُ، والعافية السّياسية لن تعود طالما البيئة المرضية متوفرة في بنيته التنظيمية، والإرادة السياسية التي تخدم المصلحة الكردية العليا غائبة على حساب الإرادة الحزبية النشطة والضيقة.

وقادة الأحزاب الكردية لا تملك الكفاءات السياسية والتخصصية لمعرفة قراءة المستجدات المتسارعة، واتخاذ الموقف المناسب وفي الوقت المناسب منها، وينظرُ إلى الأقلام الكردية الجادة والمضحية بعين الريبة، بينما يحتضن آخرين لكسب أصواتٍ حين رفع الأيدي.

إنّه المجلس الوطني الكردي الذي بات مخنوقاً في قمقم الخلافات، وأصبح في غيبوبة سياسية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…