الأبطال الكُرد المُنسحبون إلى القلوب و شرف المُحاولة…

حسين جلبي

يُسجل للشابات و الشُبان الكُرد الذي بدؤوا اليوم إنسحاباً مما أسمتهُ قيادتهم (بالأراضي التركية)، أنهم لم يرفعوا أياديهم أمام الجنود الأتراك و لم ترفرف فوق رؤوسهم راياتٍ بيضاء، يُسجل لهم إنهم لم يلقوا سلاحهم في معركةٍ مع الجيش التركي و لم يستسلموا له، ذلك أن المُقاتل الكُردي يموت و لا يستسلم، هذا ما سيتناقلهُ الكُرد عبر أجيالهم، و هذا ما سيسجلهُ التاريخ في صفحاته الذهبية.

كانت المعركة طويلة، فيها كرٌ و فر، إنتصارات و إنكسارات، فيها هزائم سياسية ثقيلة و لكن لا هزيمة كُردية على الأرض، فقد بقي المُقاتل الكُردي أميناً لكُردستانهُ، يُهدهدها في قلبهُ، و الآن، في هذه اللحظة الأليمة عندما ستنادي أبنائها، سنجد هؤلاء المنسحبين هم أول من سيُلبي النداء و أول من سيتوجه بكل جوارحه للعمل من أجلها.
إنسحب حزب العُمال الكُردستاني من (الأراضي التركية)، لكن لم تنسحب كُردستان من قلوب أبنائها المُنسحبون، فقد خلدوها مع رفاقهم الشهداء بعد أن سقوا كل ذرةٍ من تُرابها بقطرات عرقهم و أنهار دمائهم، لقد خلدتها أرواحهم التي ترفرف في سمائها، على جبالها و في وديانها، و كذلك خلدتها أجداثهم المُباركة المزروعة في كل شبر من تُرابها، فكُردستان أكبر من كل حزب و أعظم من أي قائد، لا ينهيها إنسحاب، و لا يختصرها حزب، و لا يشطبها زعيم.
أخوتنا المُنسحبون اليوم من كُردستانكم، لقد تعبتم كثيراً و ضحيتم بأغلى ما تملكون، ضحيتم بزهرة شبابكم، و قد حان الوقت لترتاحوا و تجدوا صدراً دافئاً و فراشاً و ثيراً و بيتاً حقيقياً بسقفٍ و حيطان، أضعتم الكثير الشخصي لكنكم كسبتم الكثير المعنوي، و إن لم تخرجوا من التجربة بالكثير فيكفيكم شرف المُحاولة.
أعلم أن قلوبكم تحترق و أنتم تفارقون هواء الحُرية، تفارقون أرواح رفاقكم الشهداء، ملاعب البطولة و ميادين الشرف، تفارقون ذلك التراب المجبول بعرق جبينكم و دماء رفاقكم الطاهرة، أعلم أنكم تركتم قلوبكم خلفكم، و لكنها الحياة لا تعطينا كل شئ، و يكفيكم شرف المُحاولة، و يكفينا شرف أنكم منا.
حياتكم أيها الأخوة عزيزة علينا، مثلما حياة الذين رحلوا، عوضنا بفقدان رفاقكم هو بسلامتكم، و خسارة أي واحد منكم لم يكن ليغير في المعادلة شئ، نُريدكم سالمين بين أهلكم، أخوةً أعزاء،   عسانا نستطيع تعويضكم بعض ما خسرتموه،Formularende
 و بعض ما منحتمونا أياه، كونوا واثقين أن التاريخ سينصفكم، لن يكتب التاريخ أن الكُرد قد إستسلموا، تأكدوا من ذلك، أنتم لم تستسلموا حقيقةً، فقد تركتم الساحة لغيركم، لدماءٍ جديدة و أفكارٍ جديدة، يكفيكم شرف المُحاولة و يكفينا شرف أنكم منا، و يكفينا جميعاً شرف أننا أبناء كُردستان.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….