الى روح تلمست طموها في حيوتها (روح أبي كاوا)

ابن الجزيرة

كنت أتمنى أن أكون قادرا على المشاركة في مراسيم دفنك وتأبينك أيضا..ولكن..-وما أقساها هذه الـ… ولكن –عندما تكون في موقف مانع للفعل..!

لقد منعني المرض هذا الشرف ..

ومنعني أن أذرف بعض دمع على رجل أقدر له حيويته وإن كنت قد أختلف معه في بعض مساربها..وفي النتيجة فكل موقف منه حق له، وعليه – مثله مثل غيره- قبل أن أعبر عن كوامن الألم في نفسي على فقدك ..أستميحك بعض العذر والوقت لأعرج على الحديث عن حدث الدفن والتأبين في مجتمعنا –الكردي وغير الكردي..

حدث الدفن بلا شك ضرورة كونية ومصيرية لا بد منها، ومن الطبيعي أن يكون وفق معتقدات وصيغة الحياة الاجتماعية للمدفون – أيا كان- فهو في حالته العادية حدث اجتماعي بحت بتركيبته المعتقدية وما يرافقها من أداءات وطقوس؛ نحترمها باعتبار القائمين بها يحترمونها، ونحن ملزمون باحترام معتقدات الآخرين – آمنا بها أم لم نؤمن- هكذا هي مقتضيات الحياة المشتركة وطنيا، وعالميا..

و هكذا هو عيش الحياة الديمقراطية سياسيا – لمن يؤمن بها دون لاحقات ذاتية كالقول: الديمقراطية الشعبية أو العلمية أو الحزبية ..الخ- وهي كلها لاحقات الهدف منها التحكم بمسار تحديدها وفق المراد..(بل الرغبة).

وحدث التأبين حاجة اجتماعية- وربما دينية أيضا- للتعبير عن الآلام والأحزان نحو فقدان عزيز..

 نستذكر حسناته ، ونتجاوز سيئاته ..

لعلنا نتعظ من ذلك في حياتنا الباقية..

وفي أحوال خاصة نستثمر الحدث لهدف سياسي نعبر فيه عما تمنعنا السلطة عنه في الأحوال العادية- هذا المنع الذي أصبح نظاما في ثقافة العرب خاصة والعالم الثالث عامة…!

فالتأبين فرصة عن التعبير عن ذواتنا- مشاعرنا..أفكارنا..قناعاتنا..الخ- في مجتمعات تهيمن فيها سلطات مستبدة، لا تريد للغير أن يعبر عن نفسه سياسيا، وقد يتجاوز ذلك إلى عدم التعبير في كل جوانب الحياة، بسب الخوف الذي يعيش في مفاصلها باعتبارها – أساسا- سلطة انقلابية لم تتسلمها ديمقراطيا، فهي تخشى على نفسها حتى من نفسها..وترسم الأفكار كما تراها موافقة لمصلحتها وبغض النظر عن مدى موافقتها للمنطق أو الواقعية في التفكير أم لا ..!

هذه سلطات تفقد إلى حياة استراجية،بل همها عيش اللحظة –إذا جاز التعبير- ولذا لا مستقبل لشعوبها لا حياة صحية معاشة يومية، ولا تطور فكري أو ثقافي تجعلها متفاعلة مع عمق الحياة الإنسانية في خصائصها المختلفة، ولا أمل فيها للتواصل مع المجتمع العالمي في مسيرتها أبدا..

أليس هذا ما هو حاصل في واقعها على الرغم من المصطلحات والعبارات الفخمة التي لا تنطوي على شيء سوى صوت أجوف..؟! وزيف في الواقع ..؟! وانحراف عن المسار..؟!

وفيما يتعلق بالحدث(الدفن) أو الحدث(التأبين) هل نحسن استثمار الحدث التأبيني وفق متطلبات المصلحة العامة..؟

وهل نعبر عن الحقيقة في ما نصبه على الأوراق من كتابات ندونها أو كلمات نرتجلها..؟

هل نحن نتعامل مع الحدث (التأبين) بموضوعية منصفة؟ أم نكرر ذواتنا النفسية عبر سيل من عبارات لا مضمون لها غالبا..

بسبب صبغة أدبية قد تقرب من شعر..

أو تفيض خواطر..

أو..

أو..

الخ.

ولكنها لا تعبر عن واقع أو طموح ..على الرغم من صخب الأصوات،ورنين الكلمات القارعة والخارقة لطبلة الآذان..!

اعتاد الناس في شرقنا المكرر نفسه دائما بدون إبداع في شيء سوى  الكذب..

أو الانحراف..

أو عزل المفاهيم عن مضامينها ؛حتى لتصبح الكلمة -أحيانا اغلب- مجرد عبارات عاهرة – وعذرا من الموقف – لنناقش كلمات التأبين- في أية مناسبة- سنرى فيها كلمات تكرر نفسها -ما عدا حالات قليلة – ولا تعبر عن حقيقة الموقف والموضوع..بل تكاد تكون في واد والموضوع في واد آخر..

أو قد تكون مباراة لإبراز المقدرة الأدبية.

أو الرياء السياسي..

والاجتماعي أيضا.

حتى ليكاد المرء أن يتقيأ..!

ولئلا نطيل..

ولئلا نبتعد أيضا عن المناسبة بأكثر مما ينبغي..

فلنعد إلى الحدث الطازج..إلى التأبين الطازج..

إلى حدث وفاتك المفاجئ- وبلا أدنى شك المؤلم ..والمحزن أيضا-..!

لقد كنت رجلا حيويا كما أسلفت.

وكنت مماحكا للحياة السياسية والثقافية إلى درجة لا بد من تقديرها لديك..

ولقد عرفتك..

وعرفت فيك حيويتك عندما التقينا في جلسات مع جمع من المثقفين الكرد أنتجت ((منتدى جلادت بدر خان)).

فقد كنت تحسن إدارتها..

وتحسن قيدها ..وكنت أحد المؤسسين المعلنين لها- كما كان غيرك- ولقد كان آخر جلسة في بيتك حيث تقرر حينها أن يستمر العمل في المنتدى بهدوء ريثما تنقشع الغمة التي أثارتها السلطات حينذاك تجاه ربيع دمشق كله- بكل أسف- هذا الربيع الذي كان منتظرا منه إعادة تشكيل للبنية الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية ..لسوريا الوطن المتألم تحت هيمنة فكرية مفروضة ترى ذاتها وصية والآخرين قاصرين بحاجة إلى وصاية لعجزهم عن الفكر وعن الفهم وعن القرار وعن العمل.

..!

السلطة حكيمة والشعب قاصر فيا لصعوبة المهمة ونبلها..!!!

ومن ثم كنت حيويا في انتقالك الحزبي بين نهج لا يختلف كثيرا عن النهج الذي اتبعته،،وبغض النظر عن رؤية البعض لهذا الانتقال.

فلم يكن المنهجان عن بعض ببعيد.ولكن الكبرياء في نفوس البعض، والمصلحة في نفوس آخرين جعلا المنهجين  يبدوان مختلفين أو لا يتفقان..

ولقد أجريت ذات يوم مقارنة بينهما وبين النهج لدى الأحزاب الكردية السورية الأخرى فلم أقع على سوى بعض عبارات الغاية منها أن يبدو المنهج مختلفا ليس إلا ..ولا ادري لماذا..!

أو ربما ادري ولكن لا أحسن أن أعبر عنه..وربما كان التعبير أيضا ممكنا ولكن ذلك يهدم نصف قرن من اصطناع اختلاف المنهج..وفي ذلك خرق للممنوع الذي بنته قيادات نصف قرن من الزمان..والباقي معروف(طبعا هذا حديث فيه وقفة..!).

وكنت حيويا عندما استطعت أن تنقل نشاطك إلى كردستان العراق لتمارس حريتك في العمل والتعبير وتنطلق صحفيا كان يمكن أن ينجح لو أن الأجل امتد بك..!

رحمك الله أبا كاوة  وستبقى آثار حيويتك تذكر بك دوما ..

رحمك الله وإلى جنات الخلد أيها الرجل الطموح الذي كبح القدر طموحه، ولعله لن يكبح العظة منه..

نتمنى أن يكون حدث الدفن..

وحدث التأبين..وكتابة المقالات..

لحظة تأمل وجداني، وفكري، وصدق الشعور بالانتماء، وتقرير للمصير..لا حدثا عابرا تتبارى فيها كلمات مضللة منحرفة وجوفاء لا روح فيها ولا مصداقية…!

 

 

[i] بمناسبة الوفاة الفاجعة للمهندس محمد أمين جمال(أبو كاوا) رحمه الله.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…