حان الوقت «لتطبيع» الثورة السورية

صلاح بدرالدين

بانقضاء عامين كاملين من اندلاع الثورة السورية وعلى أعتاب عامها الثالث وبكل أثمانها الباهظة من الشهداء والجرحى والمعتقلين والأسرى والملايين من النازحين والمشردين والتدمير الممنهج من جانب نظام الاستبداد الهمجي للبنية التحتية لمصادر استمرارية حياة السوريين من مسكن ومأكل وصحة وتعليم وبيئة نظيفة وأمن وسلام تمهيدا لتدمير المجتمع السوري مقابل الحفاظ على سلطة دولته المسخة الأحادية الشمولية الفئوية القائمة على الحديد والنار وبعد مااكتسبه الثوار وكل قوى الحراك في ظل تلك المعاناة وملاحم البطولة والفداء من خبرات سياسية وقتالية وما استنبطوه من دروس خلال الصراع مع نظام الاستبداد ان كان خلال مقاومة عدوانه في ميادين المعارك ووسائل الدفاع المبتكرة عن الشعب في المدن والآرياف والخوض في تجربة ادارة المناطق المحررة بمختلف جوانبها
 أو عبر أشكال المواجهة السياسية والاعلامية واستحصال الاعترافات في المحافل الخارجية بعد كل ذلك وحتى لو أن مدة عامين غير كافية لتحقيق مهام المرحلة الأولى من أهداف الثورة الى أنها أكثر من كاف لتجديد نفسها وانتقالها من طابعها– العفوي – كسمة عامة لكل ثورات الربيع الى وضع يوفر لها الاستراتيجية والتكتيك والبرنامج السياسي المرحلي وملامح الدستور الجديد ويعيد قواها المقاومة من جيش حر وحراك ثوري وتنسيقيات ولجان ومجالس الى هيكلياتها التنظيمية المؤسساتية وأطرها المستندة الى الضبط والربط والتفاعل الايجابي المبدع .

   ان تحقيق هذه الخطوات في الداخل بات حاجة وطنية ومطلب شعبي ليس من أجل تعزيز عوامل الصمود في مواجهة نظام القتل والاستبداد وانجاز مهمة اسقاطه بالسرعة الممكنة لايقاف مسلسل قتل السوريين فحسب بل في سبيل أن يتمكن الداخل الثوري من ادارة شؤونه بنفسه ويرسخ قراره المستقل عن أجندات خارجية تحملها – معارضات دخيلة – تسلقت الى صدارة المشهد من خلال آيديولوجيات حزبية ولاتعبر عن كل الأطياف الوطنية وتعمل من أجل حرف مسيرة الثورة عن أهدافها في الحرية والكرامة والتغيير وتفكيك سلطة الاستبداد واعادة بناء الدولة التعددية الديموقراطية الحديثة وتحاول ابرام صفقات على قاعدة أنصاف الحلول وقد تابع السورييون في الأسابيع الأخيرة مظاهر غير محتشمة في الاستقالات وتجميد العضوية وتعليقها ثم العودة عنها خلال ساعات بعد تدخل مسؤول في هذا النظام الرسمي أو ذاك أقل مايقال عنها أنها لاتليق بسمعة الثورة بل غريبة عن قيمها وتؤكد من جديد على أن تلك – المعارضات – لاتمثل الثورة بل تسيء اليها اذا استمرت في هيكلياتها القائمة الآن وسارت في نهجها الراهن وارتهانها لجماعة الاخوان المسلمين المتسلطة على مقدراتها والتي تشكل المصدر الأساسي للخطر على مستقبل الثورة والقوى الثورية في الداخل والنظام السياسي البديل القادم والوحدة الوطنية بين مكونات البلاد وتجربتا الثورتين التونسية والمصرية ماثلتان أمام الأعين .
في المرحلة الأولى من الثورة التي تنتهي باسقاط النظام وتفكيك سلطته الحاكمة هناك تناقض رئيسي بين الشعب من جهة والنظام بكل مؤسساته ورموزه وبناه من الجهة الأخرى وهناك نوع آخرمن  التناقض بين المجتمع السوري المدني كمكونات قومية ودينية ومذهبية من جهة وبين دولة الاستبداد بكل ركائزها الأمنية والعسكرية والحزبية (البعث الحاكم وحلفاؤه) من الجهة الأخرى ويبقى وجها التناقض هذا مستمرين في المرحلة الثانية من الثورة بعد اضفاء قدر من التبدل على ملامحه وخاصة في مجال الافتراق عن جماعات الاسلام السياسي الحاملة لأجندات وآيديولوجيات العودة الى ظلامية القرن الوسطى أي ضمن عملية الانتقال السلمي نحو اعادة بناء الدولة الجديدة بكل مضامينها وميزاتها الحديثة والتعددية والديموقراطية وفي هذه المرحلة ستتشكل اصطفافات وتحالفات جديدة من غالبية المجتمع السوري بمختلف مكوناتها القومية والدينية والمذهبية تعمل على مواصلة انجاز مهام الثورة الوطنية الديموقراطية عبر العملية الديموقراطية السلمية والصراع السياسي الخلاق في اطار سوريا الجديدة الموحدة .
  كثيرا مانسمع حججا باطلة تتردد في الاعلام الغربي وبعض الجهات الاقليمية الموالية للنظام السوري مسيئة للثورة وللشعب السوري عموما عندما تتم مقارنة الحالة السورية الراهنة بأحداث العراق منذ اسقاط دكتاتورية نظام صدام ومحاولة استحضار الصراعات الطائفية – المذهبية الجارية في العراق الجديد واعتبارها نتيجة لاسقاط نظام القتل والاستبداد هناك وهو دعوة غير مباشرة الى التصالح مع نظام الأسد أو بقاياه والحفاظ على مؤسساته وقواعده وبناه في حين أن العراق لم يشهد ثورة وطنية في مختلف مناطقه فقط كانت كردستان مركزا للمعارضة العراقية بعكس سوريا التي اندلعت ثورتها منذ عامين وانتشرت في كل مدينة وبلدة وقرية شملت كل المكونات بهذا القدر أو ذاك كما أن العامل الخارجي لعب الدور الأساسي في اسقاط نظام صدام في حين أن الثورة السورية استطاعت تحرير أكثر من 60% من الأراضي السورية بدون أي تدخل خارجي وتطوق القصر الجمهوري ومعظم المرافق الأمنية والعسكرية في العاصمة دمشق في العراق مابعد الدكتاتورية سيطرت ايران عبر حلفائها على مقدرات العراق ودفعته نحو الوجهة الطائفية وأغرقته في الفوضى والتقاتل الداخلي كما أن نظام الأسد أرسل الارهابيين والقتلة باسم المقاومة وكل ذلك من أجل وقف التغيير الديموقراطي وعدم السماح لقيام عراق ديموقراطي نموذجي تعددي متقدم يؤثر على الجوار أما سوريا فلن تقوم قائمة بعد التحرير لالجماعات ايران ولغيرها من قوى الردة خاصة وأن الثورة السورية هي جزء من ثورات الربيع التي تموج في ربوع بلدان الشرق الأوسط من أجل التغيير والتقدم والحياة الأفضل لشعوبها .

  الثورة السورية وعلى أعتاب عامها الثالث بأمس الحاجة الى اعادة تموضع قواها وتشكيلاتها القيادية وتوحيد مصدر القرار السياسي والعسكري وتطبيع أوضاعها بمختلف الجوانب وممارسة دورها كمصدر للشرعيتين الثورية والوطنية في استيعاب – المعارضات – والاشراف على تطهير صفوفها واعادة هيكلتها والاستفادة من الطاقات المتوفرة لمصلحة انتصار الثورة وليس من أجل خدمة الأجندات الخارجية كما هو حاصل الآن .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…