نهجان مختلفان في الصف الوطني

صلاح بدرالدين

  لم يعد سرا حقيقة حجم التباينات السياسية بين أطراف الخندق الواحد الذي يضم المحسوبين على القوى والتيارات والجماعات المشاركة في الثورة والمعارضة ففي حين يكاد الداخل الثوري من جيش حر وحراك عام وجماهير شعبية حاضنة وجماعات مقاومة يجمع على ارادة الكفاح حتى اسقاط النظام بكل مكوناته نرى أن أطيافا غالبة من ” المعارضات ” بمختلف تنظيماتها ومسمياتها ومثقفيها لم تحسم الأمر بعد في مسألة تفكيك سلطة الاستبداد واعادة بناء الدولة التعددية الجديدة على أنقاضها
لذلك نجدها لم تغلق الباب على مبادرات للتفاوض أو الحوار مع النظام اما حسب ارادة اقليمية ودولية أو انطلاقا من مفاهيم وسطية غير ثورية ترضى بالابقاء على مؤسسات النظام بحجة الحفاظ على ” وحدة الدولة والمجتمع ” من دون تفسير رؤيتها حول طبيعة تلك الدولة ومن دون تفريق بين الدولة والسلطة خاصة وأن الأولى عبارة عن (الشعب والأرض والسلطة) والثورة تهدف بطبيعة الحال تصفية السطة فقط .
  مهما تباينت وجهات النظر بين أطراف الخندق الواحد التي تؤمن وتسعى فعلا الى اسقاط النظام فلن تصل الى حدود الصراع التناحري بشرط أن تتميز بمزيد من الوضوح والشفافية من دون قلب الحقائق أو القفز فوقها أو حجبها عن الشعب وقوى ثورته وكذلك بالالتزام بمسلمات الثورة العامة وعدم الخروج على اجماعها وشعاراتها وعلمها والابتعاد عن فرض المعتقدات والآيديولوجيات الفئوية الخاصة السياسية منها والدينية هذا بما يتعلق الأمر بالداخل .
  أما بخصوص ” المعارضات ” السياسية وخاصة ( المجلس والائتلاف ) ومن يلف لفهما أو على هوامشهما فقد قلنا مرارا وتكرارا أنها قامت على أساس اشكالي خاطىء عندما غلب عليها اللون الاسلامي السياسي – الاخواني الواحد وهو ما أفشلها وحرمها من كسب الشرعيتين الوطنية والثورية ومن ثقة السوريين المتعددي القوميات والأديان والطوائف وأثار مخاوف ليس الأعداء والخصوم فحسب بل حتى الأصدقاء والحلفاء مما يستدعي وبأسرع مايمكن ضرورة تجاوز هذه ” المعارضات ” وقيام الداخل الثوري بالاجراءات اللازمة وتطورات مصر وتونس التي تظهر امعان – الاخوان – في ممارسة أعمال الارهاب ضد الخصوم السياسيين حافزة لنا للاسراع من الآن وقبل فوات الأوان .
  وعودة الى الأداء الاشكالي الأخير للمعارضات حول ما أعلن عن مبادرات للحوار التي رفضتها سلطة الاستبداد نقول أن ثوار الداخل حريصون قبل الكل على  ” حقن أقصى ما يمكن من دماء السوريين وتجنب المزيد من الدمار والخراب والمخاطر الكثيرة التي تحدق بالوطن، واعطاء الأولوية للوصول لحل سياسي .” وفي الوقت ذاته يختلفون معها حول تحديد معسكر الأعداء ” بكون العدو الحقيقي والوحيد للشعب السوري هم أسرة الأسد وشركاؤهم من المسؤولين المباشرين ..

وصوله – الأسد – سابقاً إلى رئاسة الدولة وقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي والجيش والقوات المسلحة السورية بطريقة غير شرعية وعبر إرهاب الشعب، ينزع عنه وعن أسرته وشركائه من المسؤولين المباشرين بشكل كامل أي صفة تمثيلية شرعية لأي شرائح مجتمعية أو لحزب البعث العربي الاشتراكي أو للدولة السورية أو حتى للجيش والقوات المسلحة السورية، وغالبيتهم العظمى ليست مسؤولة عن أعمال القتل والتنكيل والتدمير التي تشهدها البلاد منذ انطلاق ثورة 15 آذار المباركة.

إنني أؤمن بأن من الممكن لهم أن يكونوا شركاء حقيقين في إيجاد حل يزيح الأسد وأسرته وطاقمه المسؤول عما وصلت إليه البلاد..


أما العدو الحقيقي المباشر كما يرى الثوار هو النظام السياسي الحاكم برمته بمؤسساته ورموزه وقواعده الاقتصادية والاجتماعية ومنظومته الأمنية – العسكرية وحزبه الذي ” يقود الدولة والمجتمع ” بحسب الدستور منذ خمسين عاما وماترك من آثار مدمرة وجرائم بحق السوريين والفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين وحوادث وممارسات قمعية عنصرية طائفية لم يحاسب عليها حتى الآن ولاشك أن للأسد الأب والابن والدائرة العائلية الضيقة دور بارز في ترسيخ الدكتاتورية والقمع والفساد ولايجوز لأي طرف – معارض – أو فرد أن يمنح المشروعية وصكوك البراءة والغفران  لمؤسسات دولة الاستبداد وسلطاتها وخاصة للمنتنفذين في الحزب الحاكم والجيش والأمن والشرائح المجتمعية الشريكة في اضطهاد وقتل السوريين بل أن الجهة المخولة بذلك هي مؤسسات وسلطات  الثورة والقضاء والبرمان القادم أما مخاطبة حلفاء النظام من ايران وروسيا ودعوتهما الى فك الارتباط عن الأسد من دون أي ذكر لمسألة دفاعهما عن النظام الحاكم وتغلغلهما بأجهزة الدولة عسكريا وأمنيا وماليا هو كمن يخبىء رأسه في الرمال ويبعث لهما برسائل التأييد في مشروعهما السياسي المبني على الحفاظ على النظام القائم حتى بدون الأسد والذي يجري التفاوض بشأنه مع الادارة الأمريكية .

  أعتقد أن الكثيرين من مواطنينا السوريين في الداخل الثوري وصفوف المعارضة الوطنية الديموقراطية يشاركوننا الرأي حول عدة أمور بدأت تنجلي في خضم التطورات الأخيرة ومنها : كون السبب الأول والأخير لانبثاق ” الائتلاف الوطني ” هو التجاوب مع الارادة الخارجية الاقليمية والدولية لعقد صفقة مع النظام من دون الأسد بنهاية الأمر حتى لو كان ذلك بمعزل عن قرار الداخل الثوري وأن نشاطات الشيخ الخطيب الأخيرة لم تكن تغريدة فيسبوكية بل كانت تعبيرا عن موقف سياسي تدين به غالبية أعضاء الائتلاف والمجلس من حيث الجوهر بما فيها الطيف الاخواني الباطني المتسلط عليهما وأن التباين بدأ بالظهورالى العلن بين نهجين : واحد وتمثله قوى الثورة في الداخل وأنصارها في الخارج يهدف اسقاط نظام الاستبداد وتفكيك سلطته ومؤسساته وقواعده من الجذور واعادة بناء الدولة الوطنية الديموقراطية التعددية التشاركية الموحدة وآخر وتمثله غالبية ” المعارضات ” تعمل في سبيل التعامل والتصالح مع النظام برأسه أو بدونه  اذا تنازلت روسيا وايران لقاء تفاهمات مع واشنطن  وبأنصاف الحلول ومن المفيد جدا اطلاق حوار صريح وواضح بمنتهى الشفافية بهذا الشأن بين فريقي النهجين وعدم الاختباء وراء المصطلحات والعبارات التي تحمل أكثر من تفسير خاصة وأن الفريقين مازالا حتى اللحظة في الخندق الوطني الواحد .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إعداد: سليمان علي Suleiman Ali يسعى هذا التحليل الفكري المبسط بصبغة نقدية لتسليط الضوء على مجريات الاحداث المتسلسلة إلى قراءة سريعة لمسار تجربة الإدارة الذاتية المستهجنة لشمال وشرق سوريا (روجآڤا-Rojava) وذراعها العسكري (قسد-SDF) من الفترة الممتدة بين بداية 2011 وغروب شمس الحرية في أواخر هذا العام 2026….

مسألة اللغة القومية والاعتراف بها لا تختزل في اعتبارها لغة محادثة ولغة تعليم يا جهلة، يا قطيع الدوغما، فمجرد السماح بذلك لايعني الاعتراف بهويتك القومية، ولا اعتراف بك كمواطن كامل الحقوق ومتساو مع المواطنين المعترف بلغتهم كلغة رسمية، الاعتراف باللغة لها علاقة من جهة أولى بمساواتك ومشاركتك على المستوى السيادي في صناعة القرار السياسي، ومن جهة ثانية هذا الاعتراف باللغة…

علمنا في الهيئات والمنظمات والمراكز الحقوقية الموقعة أدناه من السيد رياض والد القاصر حسن سمو تولد الدرباسية عام 2011، أن ما تعرف بـ«الشبيبة الثورية/جوانن شورشكر»، قامت منذ حوالي شهرين ونصف من الآن، باختطاف ولده القاصر حسن من محله الذي كان يتدرب فيه على مهنة الميكانيك، ومن ثم اقتياده إلى مكان غير معلوم، علماً أنه سبق عملية الاختطاف، تهديده بها أكثر…

عبدالباقي اليوسف تتداخل في لحظات التحول التاريخي الكبرى موازين القوى الدولية والإقليمية مع الاستجابات الذاتية للفاعل السياسي المحلي، لترسم حدود الممكن والمستحيل. وما شهدته الساحة السورية مؤخراً ليس مجرد تغير في هيكل السلطة بدمشق، بل هو تحول جيوستراتيجي عميق يتطلب تفكيك أبعاده الفكرية والسياسية بدقة. إن المشهد الذي رأينا فيه انتقال أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) من مطلوب على قوائم…