المجلس الوطني الكردي والمعارضة

  افتتاحية جريدة آزادي *
كتبها: صبري رسول    

انخرطَ الكردُ في الثَّورة السّورية منذ بداية الشّرارة الأولى، مقتنعين بأنّ النّظام الذي استحوذ على سوريا ومقدّراتها، وجعلها مزرعة يتفرّد في خيراتها، لا بدّ أنْ يرحل، لأنّ الشَّعب الكردي في سوريا كان من أكثر المتضررين من سياسات النّظام، حيثُ تمّ إقصاؤهم من الحياة السِّياسيّة، وتعامل معهم كوافدين وطارئين، فجُرِّدوا من الجنسية، وتمّت مصادرة أراضيهم، واُستُبعِدوا من الوظائف الهامة، وباتت لغتهم من المحظورات.

تلك السياسات عرقلت تطورهم الطّبيعي.
انخرط الكرد في الثّورة لإيمانهم بضرورة التغيير الجذري للنّظام الشّمولي الاستبدادي، وليس استبدال نظامٍ بآخر مماثل، أو شخصٍ بآخر، وهذا كان سرّ اندفاعهم فيها.

هذه المعادلة لم يستوعبها بعض الشّخصيات المعارضة، وتياراتٌ لا همّ لها سوى التسلّق إلى كرسي الحكم، على أكتاف مئات الآلاف من الضحايا.
رغم اقتراب الثورة من نهاية عامها الثاني ماتزال كتل المعارضة السورية تفتقر إلى مشروعٍ سياسي متكامل، سواء ما يتعلق في مرحلة الثورة، أو ما يتعلق بمراحل أخرى بعد إسقاط النّظام.

فضبابية الموقف من القضية الكردية تزرع هاجس الخوف في نفوس الشعب الكردي، وتُفرمِل قوتهم، لأنّ كلّ الطروحات والتصّورات المتعلّقة بالكرد وحقوقهم القومية لم تتجاوز سقف المواطنة؛ إلى الآن لاتؤمن المعارضة السورية، وبالأخص ائتلاف المعارضة، بأنّ القضية الكردية ليست مجرّد قضية ثقافية ولغوية، إلى الآن لا تؤمن المعارضة السورية «في الداخل والخارج» بأنّ قضية الكرد
ناتجة عن تقسيم بلادهم بين دول المنطقة في مرحلة تاريخية، وأُلحِقَ جزءٌ منها بالدولة السّورية، وهذه الرؤية القاصرة ستلحق أفدح الأضرار بالعلاقات «الكردية-العربية» في سوريا المستقبلية.

من جانبٍ آخر لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إنَّ المؤتمر الوطني الكردي يتهرّبُ من الوضوح في مسألتين لهما تأثير مباشر في علاقات الكرد مع أطر المعارضة السورية، إحداهما: يطرحُ المؤتمر رؤيته لتحديد مطالب الكرد القومية في عباراتٍ عامة ملتبسة قانونياً وسياسياً «حق تقرير المصير» في المؤتمر الأول تاريخ26/10/2011م والبرنامج المرحلي في مجلسه الموسع صيف 2012م، و قرار المؤتمر الثاني 10/1/2013م «شكل الدول الأمثل لسوريا هو نظام اتحادي يعترف بحقوق الشعب الكردي وفق العهود المواثيق الدولية» دون انْ يكون هناك تصوّرٌ مدروس عن شكل الدّولة الاتحادية.
المسألة الثانية: يرى الكرد بأنّ المجلس الوطني الكردي كتلة مستقلة، ولا نية لديه للانضمام إلى أي إطارٍ للمعارضة، ومواقف المعارضة السورية من القضية الكردية يتّخذها بعض ساسة الكرد حجةً للابتعاد عن أي ائتلاف شامل يوحّد السوريين.
فإذا كانت المعارضة السّورية جادة في حلّ القضية الكردية في إطار وحدة البلاد، عليها أن تكون أكثر جرأة، ووضوحاً، لتلافي هاتين العقبتين، كما على الكرد أنْ يتصرّفوا بعقلانية، وألا يتركوا النّظام مستفيداً من تشتّت معارضيه، وأنْ يعملوا على إيجاد الأرضية المشتركة للتّفاهم مع الآخرين، فالفرصة التّاريخية قد تفوت، ولن يبقى للقنّاص إلا البكاء على ما مضى من الزّمن.



*
يصدرها الاعلام المركزي لحزب آزادي الكردي في سوريا – العدد (450)

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…