يوميات الحصار(4) أولمر قِرْشِكْ

صبري رسول

لم يترك النّاسُ حديقة عامة أو منزلية إلا اعتدوا عليها، ولم يتركوا شجرة إلى نحروا جذعاً منها، قبل الأوان، فموعد تقليم وتهذيب الأشجار في الرّبيع، فكلٌّ يحملُ حزمةً، أو جذعاً، أو غصناً يجرّه إلى بيته.

وفي الطرقات البعيدة(كطريق قامشلي تل براك، وتل حميس، وبلدات أخرى، اختفت عشرات الأعمدة الخاصة بالهواتف السلكية، تمّ اقتلاعها، أو نشرها من الأسفل، لتكون طعماً للنّار.


وأنا لا شجرة في شقتي، ولا عمود هاتفٍ في طريقي، فقد قررْتُ جعلَ خشبَ السَّرير الصَّيفي (الخاص بسطح المنزل) حطباً
طلبتُ من صغيري مرافقتي في المهمّة، فالموجود الآن يُصبحُ نادراً غداً، فأنا أولى من غيري لاحتطاب أخشاب سريري الصّيفي.
فمَنْ ينجو هذا الشّتاء لن يموتَ أبداً، فلنجعل هذا الحطب يكفيّنا خمسة عشر يوماً، جعلتُ القسم الأول (الدرفة الأولى بمصطلح النّجارة) حزمةً مكسّرة قصيرة تتناسب وحجم المدفأة.


قبل أنْ أبدأ بالثاني جاءني جاري (السّاكن في الطابق الأسفل) قائلاً: لقد زرعتَ الرّعب في قلوبنا يا جاري! قلت له: ولمَ يا عزيزي؟ أضاف: ظننتُ أنْ قصفاً قد حصل عندنا، لأنّ البناية تهتزّ من عملك هذا.
توجهنا إلى السّوق لشراء مدفأة الحطب، لأن مدفأة المازوت غير عملية في إحراق الحطب، المفاجأة كانت كبيرة عندما وجدنا سعر (أولمر طَبِكْ) بـ10000 ل.س و(أولمر قِرْشِك) بـ 12000 و(أولمر تَخْتِك) بـ 13000 ل.س.

تركتُ المشروعَ كلَّه فاندسَّت العائلة تحت الأغطية بحثاً عن دفءٍ غائب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…