مـنـاف

أمين عمر

مناف من مواليد الستينات، بعد أن أنهى دراسته الإعدادية، ورغم تفوقه أختار أن يدرس الثانوية الصناعية دون الثانوية العامة.

كله أمل أن ينهي المعهد الصناعي كي يتوظف بسرعة، لظروف مالية صعبة لعائلة كبيرة دون أي مورد، سوى عمل الأب في الأعمال الشاقة جداً، وخاصة إن أحد شباب قريته قد أنهى ذاك المعهد وتوظف مباشرةً.

حصل مناف على الباكالوريا من الثانوية الصناعية في ديرك ، درس بعدها في الحسكة، المعهد الصناعي قسم الكهرباء ونال الدرجة الأولى على المعهد ولسنتين متتاليتين،
 وعند تكريم الطلاب الأوائل نودي من منصة التكريم على الأول والثاني معاً وهما الأخوان مناف وريزان، قد أروي لكم عن ريزان مرة أخرى، قبل إنتهاء السنة الثانية من المعهد أستدعى مدير المعهد، مناف الى مكتبه وأخبره بفرصة ستـُغير حياته، بل بفرصتين، بما إنه أنشط  الطلاب والمميزين في المعهد أدباً وأخلاقاً، الفرصة الأولى، ولإنه الأول سيبعثونه على نفقة الدولة، لدراسة هندسة الكهرباء في دولة أوروبية، وذلك لحاجة الدولة، لكفاءات ، ومطلوب من المدير أن يقدم الاسم المناسب ، والفرصة الثانية أن لم يوافق على الأولى سيتابع دراسة هندسة الكهرباء سنة ثانية في البلد ، مقابل الفرصتين هناك توقيع صغير مطلوب من مناف ، وأخبروه، إنه يستطيع عدم الإلتزام بتوقيعه، والورقة التي سيوقع عليها طلب إنتساب لحزب البعث.

مناف لم يكن منتسباً لأي حزبٍ كُردي ، كان فقط مؤيداً للبارتي ، مناف رفض التوقيع ورفض العرض الذي من حقه بالأصل مقابل الإنتساب الشكلي لحزب البعث ، وما كان لأحد أن يدري بتوقيعه ذاك وهو في نهاية السنة الثانية ولن يبقى في البلد بعدها ، الموضوع بالنسبة له موضوع مبدأ.

تخرج مناف ولم يجد الوظيفة التي كان قد خطط لها، ودراسته تلك، الدولة غير مُلزمة بالتوظيف على أساسها ، أي باتت أيضاً بحاجة لمسابقات وتوقيع مثل التوقيع السابق أو أكبر منه.

عمل مناف بعدها بائعاُ في محل للمواد الغذائية ، أزدهر المحل بفضل الله وبفضل أمانته وإخلاصه ووجهه المنشرح ، طبعاً بالإضافة الى إجتهاد ونزاهة مالك المحل، وأصبح الدكان دكانين، أصبح هو وصاحب المحل  كالأخوة، وعرض عليه الكثيرون راتباً مضاعفاً تماماً لراتبه كي يترك ذاك المحل ويعمل معهم ، ولكنه كان يرفض والموضوع عنده ، المبدأ.
بعد حوالي أثنا عشرة عاماً من العمل هناك ، وبعد أن ملّ حياته الروتينية، ترك ذاك العمل ، وبعد ثلاث سنوات من العمل هنا وهناك ، ولأمانته المعروف بها، بحث عنه أحد أصحاب المعامل الذي كان يزود المحل الذي عمل فيه سابقاً وأختاره مديراً ومشرفاً لمعمله في حلب، بقيَ مناف سنوات في معمله، حتى مضت من الثورة ما مضت ، وبلغ القصف ما بلغ .
الآن ، مناف كالألاف من أخوته الكرد السوريين ، يعمل في كردستان ، عاملاً لتمديد كهرباء شقق والأبنية، كان من الممكن أن يكون الاستاذ المهندس مناف، ومن المؤكد إن أحزابنا كانت ستتكاتف اليه وترحب به في لجانها المركزية.

ولكن مناف الذي أعرفه أكبر بكثير من مهندس بعثي أو قيادي متذبذب.
 مناف إن لم نلتقي في بيتنا في قريتنا بعد هذه السنوات، فسنلتقي بإذن الله في كردستان..

كم أحتاج ومتشوقٌ لأقبل رأسك…
أخوك الصغير لزكين أو فلنقل أمين عمر.
ملاحظة: أخي مناف كتب بعضهم إلي، أن “سموم”  قلمي تحت الطلب وعند الحاجة، فلم أقل لهم ارجعوا الى مئة مقالة سابقة لي، بل أود أن أقول لهم أنا تلميذ أخي مناف، وتربيت في مدرسة والده.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس   ما يجري اليوم في جزيرتنا الكوردستانية ليس نقاشًا تاريخيًا، ولا اختلافًا مشروعًا في القراءة، بل تفكيكٌ منهجيّ يبدأ من العائلة، يمرّ بالعشيرة، وينتهي عند إنكار الأمة ذاتها. هذا النص لا يُكتب بوصفه مقالة رأي، بل يُصاغ كإنذارٍ أخير، قبل أن تتحوّل الجزيرة إلى سردية عروبية جديدة، مكتوبة هذه المرّة بالحبر الكوردي نفسه، وبأقلام تدّعي البراءة وهي…

حسن برو كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مقاومة أهالي حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلى جانب قوات الأسايش، في وجه هجوم شنّته جماعات جهادية وما يسمى بـ«جيش سوريا الجديد» الذي يضم فصائل إسلامية متشددة. وقد سوّغت السلطات المؤقتة في دمشق هذا الهجوم بذريعة أن وجود الأسايش يشكّل تهديدا للمدنيين في مدينة حلب، وهي حجة استخدمت لتبرير حملة عسكرية واسعة…

قهرمان مرعان آغا يحدث هذا كله، في زمن الرئيس الأمريكي ترامب ، أَنْ تتآمر دولتان (تركيا- سوريا) في مواجهة حارتين ( كورديتين) في مدينة (حلب – الشيخ مقصود و الأشرفية) . تآمر تركيا كان بادياً في الشراكة من خلف الأبواب من خلال وجود وزير خارجيتها في باريس مع ممثلي السلطة المؤقتة في دمشق ، يوم 6 ك٢ – يناير 2026…

بعد التحية والتقدير أتوجه إليكم بصفتكم وكذلك فيما لو كنتم تمتلكون قرار الحرب والسلم .. وهذا ليس من باب الطعن أو التشكيك وانما بسبب المآل السوري الذي لم يعد أحدا فيه يمتلك إرادة الفعل والقرار فضلا عن تفريخ أمراء الحرب وتجار الدم ومرتزقة الأجندات في كل الجغرافيا السورية والذين لن يتوانو عن ارتكاب الفظائع فيما لو شعروا بأن البساط سينسحب…