إرادة الشعوب التواقة للحرية أقوى من ظلم المستبد

بافي لقمان

  لا شكّ في أنّ الحريّة هي منْ أهمّ صفاتِ إنسانية الإنسان، فالإنسان ولد حرّاً طليقاً، ولا يحقّ لأجلِ ذلك أن يستعبدَ أحدٌ أحداً، أو ينتقصَ من إنسانيته، ولإنْ كانَ الرقّ في العصور السالفة هي النموذج الذي يُستعبد به الإنسان، فإنّ الاستبدادَ هو النموذج الجديد للعبودية، فالمُستبِد لا ينظرُ إلى الآخرين نظرةً فيها الحرية الكاملة لهم، بل إنّه يسلبها منهم.

والاستبدادُ ليس صفةً يُمارسها المستبدّ على الفرد بل يُمارسها على المجموعة؛ أي إنّ الاستبدادَ جمعيٌ يؤثّرُ في المجموعة الإنسانية، ويستلبُ حقوقها،
 والمُستبدُّ يُمارسُ استبدادهُ بخاصةٍ على ما هو مختلفٌ عنه، ومغايرٌ له، وإنّ الكورد قد ذاقوا هذا اللون من الاستبداد الكثير، والكورد عاشوا عقوداً طويلة ورزحوا ضدّ الاستبداد بشتى أنواعه، فقط لأنّهم مختلفون، وهذا الاختلاف هو مدعاةٌ ليُمارس الاستبدادُ بحقّهم.

وحين ننظرُ إلى الكورد نراهم نموذجاً مقهوراً ومُستبداً طيلة عقودٍ طويلة، وكان لهذا الظلم أن زكّى الذات الكوردية، وجعلها بعيدةً عن التفكير المتطرف، إن المعاناة التي عاناها الكورد جعلتْ منهم نموذجاً للتحرر من هذه النفسية الاستبدادية، لأنّ فكرة الاختلاف وتقبّل الآخر المختلف عنه متجذّرة في الروح الكوردية، ولعل نموذج كوردستان العراق خير مثالٍ على ذلك، حيثُ أنها أصبحت ملاذاً لجميع القوميات والأديان، ولم تسجل إلى الآن انتهاكات تجعل من الكورد مستبدين، سياسياً أو قومياً أو دينياً.
وهنا نستطيعُ أن نقول هل بإمكان المظلوم أن يصبح ظالماً؟
إنّ هُناك آراء تقولُ بأنَّ المُستبَدَّ يتقمّصُ أسلوبَ الظالم، ولكنْ عندما يكونُ المظلومُ منفتحاً على الآخر، لن يصبح ظالماً بأي شكلٍ من الأشكال خاصة إن كان مؤمناً بثقافة الاختلاف.
إنّ المدنية التي يدعو إليها الكورد، وثقافة الديمقراطية التعددية، والتي تجعل صندوق الاقتراع هو الفيصل في العملية السياسية هي ضامن لعدم العودة إلى ثقافة الاستبداد، واحترام الآخر.
ويحقّ للكورد الذين عانوا ما عانوه من عقود الاستبداد أنْ يختاروا لأنفسهم الحرية التي يستحقونها، بعد كل هذا الظلم الذي عاشوه من الاستبداد.
إن الاستبداد الذي مورس ضد الكورد بطريقة مباشرة من قبل الأنظمة يمارس من قبل الجهات التي بيدها سلطة جزئية أو قرارات جزئية بطرق مختلفة، تتمثل بالتكبر على الكورد، عبر تهميشهم، وتحييدهم عن القرارات المصيرية، وعدم حفظ الخصوصية التي هم عليها.
لقد قامت السلطات المحيطة بالكورد في التاريخ القريب جداً بالكثير من الاجتماعات الثلاثية، لا لكي يطرحوا قضايا التعاون والازدهار لشعوبهم، بل للتفكير بكيفية ضرب الكورد في الصميم، متناسين أن الكورد يحملون طاقة الحياة، وهم شعبٌ يستحق العيش معهم كشريك، له خصوصيته، لا كعدو يجب التخلص منه.
 إنّ الانتكاسات المتعددة والإحباطات الكثيرة التي مني بها الكورد من شركائهم في الجوار، سواءٌ العرب منهم أو الأتراك أو الإيرانيين، قد خلقت لدى الكوردي هاجس الخوف الدائم من أية قرارات تتخذها هذه السلطات، لكنّ اليوم ليس مثل البارحة، لقد طرحت الثورات في المنطقة، والتي سميت بثورات الربيع العربي، والتي هي بالحقيقة ثورات الربيع في هذه الجغرافية التي يعيشُ فيها كمٌ عديد من الأديان والقوميات والأعراق.

طرحت هذه الثورات تعاملاً جديداً مع جميع المواضيع المطروحة.
 فالكورد الذين عاشوا ثائرين دوماً، يعيشون الثورة هذه المرة مع جميع شركائهم في العيش المشترك، من القوميات الأخرى والأديان والمذاهب الأخرى، وهم مؤمنون اليوم أكثر من أي وقت آخر بمدنية الثورة، وبالدعوة لحياة حرة كريمة تكون فيها صناديق الاقتراع هي الفيصل في كل الأمور، ضمن بلادٍ تؤمن بالتعددية، ودعم حقوق الآخر.
إن ثقافة المستبدّ المتكبرة على إرادة الحياة لدى الشعوب التواقة إلى الحرية، ستنتهي لا محالة، بالانهزام تحت وطأة المطالبة بالحرية، والكرامة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…