والـ.. مشعل.. امتشق دمه

عمر كوجري

في غفلة من أحزاننا تعود دماء الشهيد والصديق الغالي مشعل التمو لتذكّر من نسي أو تناسى أن دماء الشهداء عصيةٌ على النسيان، وأنها التي أرادت أن ترسم لنا غداً طافحاً بالعبق للصغار القادمين على جنح القصيدة بلون زاه..

أروع  من كل ورود العالم..

في سهو منا، ونحن منشغلون بتفاصيل موتنا..

موتنا الروحي بتقدير أقل، يطل وجه مشعل معلناً بكل روعة أن اقتراف درب الورد الذي أدمى عاشقه كان أبلغ شدو في زمن التصحّر إلى غد يفرّخ ذاته، ويطبعُ على لوحة ألمه بالقلم المكسور غير المبريّ جيداً ذاته..
مشعل التمو، ونحن المدفونين على حاشية الحياة، لم نفقهْ عظمتَه حتى رحل، لم نشعر بعذوبة ابتسامته وحرارة صوته حينما كان بألم يعيش حياتنا، وحينما كنا نتدافعُ، ونتقاتلُ للظفر بصورة تذكارية إضافية في قطار الحياة، وحينما كنا نموت من أجل الفوز بتفاصيل عمر قصيٍّ مقصوفٍ رذيل، كان هذا المشعل مشغولاً بحالة وجد روحي أسمى.
الرجل، ورغم أنه كان بليغاًً، كان بمقدوره أن يكوننا، أن يكون كائناً هلامياً لا رائحة لأنامله مثلنا، وكان بمقدوره أن يضع أصابعه العشرة في وجه حائط ما، ويقول: أسألك السترة فهي الكفيلة بحفظ دمي من السيلان دوائر ودوائر على ذلك الأبيض الحافي، وبين جنبات تلك الغرفة الباردة في مساء القامشلي كما الآن
الرجل اختصر كل فنون البديع وتدبيج خطب الانبطاح، ومارأى غير دمه سيفاً أو رمحاً أو أغنية فامتشقه ..

امتشق دمه وطار إلى ملكوت الله..

لان الله وحده يستطيع أن يحافظ على زهور الشهداء لئلا تتعرض لليباس والموت.
مشعل، تركنا على أمل نكون أكثر حنواً لبعضنا.

لقضيتنا..

لغدنا..

لكن نحن العالقين في طرف الحياة، وحتى نبعد الموت عن طريقنا، رثيناه ببعض قصائد إنشاء ناشفات، وكتبنا بحقه البعض القليل من كلام عافه التوهّج، وسرنا في موكب زفافه ساعة ساعتين..

ثلاث..

دفع أجملنا دماً إضافياً، والبقية عادوا إلى منازلهم ينشدون الحنين إلى عش البيت والأولاد، ورسم خطوط التناحر، وكل ما ينسي أصابعنا وهج دماء الشهيد.
بعد رحيل مشعل، عوّدنا أنيابنا لنفترس بعضنا أكثر، النقي فينا سار باتجاه ضوء دمك، والبقية أنشد الفرقة وكان له ما أراد..
مشعل صديقي، نم قرير العين، ما رسمته لنا كان صحيحاً، وما نحاول التعلم منك قليل قليل..

طوبى لك وأنت تحنّ لقيامة أهلك لأحبتك..

لشعبك الكردي العظيم..

ولشعبك السوري العظيم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف أثارت حادثة قيام أحد الأشخاص برمي العِقال على الأرض ردود فعل غاضبة لدى الكثيرين من العرب والكرد ، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى المكانة الرمزية التي يحتلها العِقال في الوجدان الاجتماعي والثقافي لدى قطاعات واسعة من العرب والكرد معا . فالرموز ليست مجرد أشياء مادية، بل تحمل في طياتها معاني الانتماء والذاكرة والكرامة والتاريخ. غير…

فراس حج محمد| فلسطين في واحد من المراسلات بيني وبين الدكتور أحمد نسيم البرقاوي على إثر مقال نقديّ أعجب به، يرسل لي هذه الرسالة: “صديقي فراس العزيز: قرأت بمتعة كبيرة مقالتك الرائعة جداً، ونقدك العميق، وعندي بأن مصطلحك: التفخيم النقدي مصطلح يجب أن يدخل التداول في النقد، لأن التفخيم النقدي ليس سوى نوع من الكتابة هدفها التبرج بمنقود ذي شهرة،…

صلاح بدرالدين من الطبيعي تخليد العظماء لدى أي شعب ، واطلاق أسمائهم على مؤسسات سيادية ، وصروح علمية ، وتاريخية ، واجتماعية ، اما أن يصل الامر الى استخدام تلك الأسماء في مواقع ذات رمزية دينية في مجتمعات متعددة الأديان والمذاهب ولاتخلو من الحساسيات ، فمسألة فيها نظر ، ومن هذا المنظور علينا تناول الموضوع الذي بين أيدينا حول قيام…

ولاتي مه – خاص: أعلن ثلاثة من أعضاء الهيئة القيادية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا انسحابهم من الحزب وإنهاء مهامهم التنظيمية، وذلك في بيان مشترك صدر اليوم الاثنين 29 حزيران/يونيو 2026، بعد ما وصفوه بـ”استنفاد جميع فرص الإصلاح الممكنة داخل الأطر التنظيمية القائمة”. ووقع البيان كل من الأستاذ مسلم شيخ حسن، والمهندس أحمد زيبار، والمهندس رزكار عارف حسو، الذين…