مصائب الهيئة الكردية العليا

د.

محمود عباس

  أنتشر خبر مفاده، أن الهيئة الكردية العليا قررت في اجتماعها الاخير تشكيل لجنة لمقابلة محافظ الحسكة ومدير التربية، يطلبون منهم (في حال حصولهم على اللقاء) السماح بتدريس اللغة الكردية في المدارس (لا نعلم إذا كانت كحصة يتيمة في كل يوم او اسبوع أم مادة ثانوية كالتربية الدينية، أم مادة رسمية!) لله در الاحزاب الكردية، لا زال منطق الاستجداء يسيطر على مداركهم، ولاتزال الثقة بالذات معدومة.
  نطالب الهيئة الكردية العليا أن تقرأ الماضي والحاضر والمستقبل قبل أن تتوسل إلى محافظ الحسكة ومدير التربية بفتح صفوف اللغة الكردية.

السلطة الأسدية الحالية – والبعثية سابقا كانت، ولاتزال وإلى أن تزول غارقة في الثقافة العنصرية العروبية حتى النخاع تجاه الآخر غير العربي وبشكل خاص تجاه الكرد ووجودهم الجغرافي والتاريخي، وسوف لن يعترفوا بالكرد ككيان انساني، وأن كان هناك قبول ما أو اعتراف مغرض من قبل السلطة الاسدية بالوجود الكردي فإنه تلاعب بالشعور الكردي ودبلوماسية بذيئة بكل أوجهها، واستخفاف بمدارك الحركة الكردية، خاصة في الظروف التي تمر بها المنطقة الكردية ضمن الثورة السورية.

   بؤس الخطوة، المحافظ من السلطة الأسدية – البعثية ومشبع بثقافة البعث ورؤاه تجاه الكرد في ابعادها العنصرية المتشبعة من تاريخ البعث، إذا كان الخبر صحيحاً، فانه خطأ فاضح من الهيئة الكردية العليا وعدم تقدير بوطنية الحراك الكردي وجماهيره وبالشعب الكردي عامة، واعتراف مباشر بالسلطة واستمراريتها بل استخفاف بشهداء الكرد من السوريين عامة والكرد خاصة!….الاقدام على مثل هذه الخطوة من وجهة نظر الثورة السورية خيانة، بل وتهميش بالقضية الكردية ووطنيتهم الصادقة السورية أو الكردستانية.
  استجداء مجلس المحافظة اعتراف رسمي بالسلطة السورية المجرمة.

سيحاكم كل من قرر مثل هذا القرار الفظيع، سيحاكم كل من ينفذه امام الشعب الكردي مستقبلا.

الحقوق تأخذ ولا تستجدى  ألم تفهم الهيئة الكردية العليا هذا المنطق الأزلي الصلد بعد!؟ بالامكان فتح المدارس الكردية كما شرعت جميع الاحزاب الكردية أبواب مكاتبهم وفي كل المدن الكردية، لم يتقدم أحد منهم بطلب أو انهم استجدوا السلطة الاسدية الشمولية قبل الاقدام على مشاريع فتح مكاتبهم، وتأسيس مكاتب ثقافية خاصة باحزابهم، والتي تلقى فيها المحاضرات الثقافية بين كل فترة واخرى، ولم يحصل احدهم على الرخصة من المحافظ أو وزارة الداخلية أو من مكاتب الامن السياسي قبل  القيام بهذا العمل، المكاتب الحزبية تتكاثر وتتناثر في زوايا المدن والقرى، بالامكان جعلها صفوف لتعليم اللغة الكردية، وهي ستكون قد قدمت بهذا العمل خدمات جليلة لجيل الكرد القادم، وبها سيخلقون جيل نقي وبثقافة نقية..

 على الحراك الكردي السياسي والثقافي أن يعلم الجيل القادم على الثقة بالذات والابتعاد عن الاستجداء الذي تربى عليه جيلنا وعلى مدى عقود.
   تنتظر الهيئة الكردية العليا أعمال أهم واوسع بعداً ونظرة، سيكون التدريس باللغة الكردية وفتح المدارس الكردية جزء منها، يتطلب اليوم منهم تشكيل مؤسسات الدولة بدءاً من اللجان الخاصة بتسيير امور المنطقة الاقتصادية من تأمين التموين وطرق الاستيراد والحفاظ على عدم غلاء المواد، والاجتماعية الثقافية معا لتسيير المدارس ومؤسسات الدولة والموظفين، وتأمين الرواتب من جهات  وطرق متنوعة، في حال أنقطع الاتصال بالمركز أو قطع لسبب ما، عليهم تشكيل لجان من صميم الاشخاص الذين يدركون خفايا هذه الاعمال ومختصين بها لا من الحزبيين والسياسيين، لجان عديدة متنوعة وخبيرة بالأمور المناطة بها، مراقبة الطرق ومداخل القرى والمدن وحصر الشعب في زوايا معتمة لايجدي نفعاً على الهيئة التغلغل في ثنايا القضايا  واشراك المجتمع بها بشكل كامل، المنطقة على ابواب اجتياحات لا يحمد عقباه، على الهيئة ان تجهز الشعب للقادم من المصائب، عليهم الخروج من القوقعة السياسية المغلقة، والانفتاح على مفاهيم وتسيير المنطقة بشكل عام.
د.

محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…