ماذا يعني تشكيل كتائب «الشهيد صدام حسين» للجيش السوري الحر

 حليم يوسف

المقدمة

على هامش فعاليات الاجتماع التأسيسي لرابطة الكتاب السوريين الذي انعقد في القاهرة، يومي السادس عشر والسابع عشرمن أيلول الحالي، التقيت المعارض السوري المعروف فايز سارة الذي كان ينتقد الموقف الكردي العام من الثورة السورية واصرارالكرد الدائم على طرح المطالب الكردية في جلسات واجتماعات المعارضة السورية.

في حين أنه يعتبر – صادقا بالتأكيد – أن القضية الكردية هي قضية سورية وهي مسألة لاتخص الكرد حصرا، وأنها ستجد طريقها الى الحل في سورية الغد، بعد سقوط النظام.

وكان يأمل أن نقوم، ككتاب كرد سوريين، بدور ما في هذا الاطار.
مونولوج
 كان صدى هذا النقاش الطويل الذي اختصرته آنفا يتردد في مخيلتي وأنا أشاهد الفيديو الجديد لكتائب الجيش السوري الحر الوافد من ريف ادلب والذي تعلن فيه مجموعة من المقاتلين عن تشكيل كتيبة تحمل اسم “الشهيد صدام حسين”(1).

وما لبث أن تلاه فيديو آخر، أكثر وضوحا وحماسة هذه المرة، حيث صور القائد المفدى”الشهيد” تزين واجهة الكتيبة المقاتلة وهذه المرة من الميادين قرب البوكمال.(2).

وكاد أن يختلط الأمر لدي بين أن يكون ما أشاهد مجموعة من “فدائيي صدام” أم أنها مجموعة من “الجيش الحر”.

فمن ناحية تحمل هذه الظاهرة الجديدة في المشهد العسكري السوري “المعارض” في طياتها الكثير من الدلالات السياسية العميقة التي تعكس مدى الشرخ الواسع بين مكونات المجتمع السوري بتنوعه القومي.

ومن ناحية أخرى تعكس أسماء الكتائب الأخرى مثل “ابن تيمية” و “القعقاع” و”أحفاد الرسول” و”الفاروق”و”لواء التوحيد”..الخ مدى الانغماس في البعد الطائفي والديني لهؤلاء المقاتلين التي تحيلنا أسماء كتائبها الى عهود تبعد، الى الوراء، عن عهد حافظ الأسد وابنه ألف عام على الأقل.

مما يدفع المرء الى التساؤل عن علاقة هذه الأسماء بسورية وبحريتها، وكذلك عن معنى أن تحمل كتيبة تقاتل دكتاتورا دمويا قاتلا أنتجه نظام البعث السوري، اسم دكتاتور آخرأكثر دموية وهمجية، أنتجه نظام البعث العراقي “الشقيق”.

وقد استبدل مؤخرا، وعلى نطاق واسع، الشعارالعتيد “قائدنا الى الأبد، الأمين حافظ الأسد” بشعارآخر على وزنه”قائدنا الى الأبد، سيدنا محمد”.

فهل يسعى هؤلاء الى تغيير الطبعة العروبية البعثية الطائفية الحاكمة بطبعة عروبية دينية طائفية، تناقضها شكلا وتتطابق معها مضمونا؟.

كل ذلك يجري أمام أعين “المعارضة السياسية” التي يبدو أن لاحول لها ولا قوة أمام تصاعد العنف والعنف المضاد، المنفلت من كل عقال.في حين لجأ “الاخوان المسلمون” كأكبر تنظيم سياسي معارض الى الحضن التركي المشبوه، الذي يبدو مرتاحا ومغرما به الى حد الهوس.

وهذا ما بدا واضحا في تصريحات السيد رياض الشقفة الى صحيفة جمهوريت التركية، الذي أكد بأن حزبه لن يقبل بقيام أي كيان كردي في شمال سوريا.

وهو التعبير الحرفي عما يطلبه سيده أردوغان الذي يحصد جيشه أرواح الكرد المطالبين بالحرية منذ أكثر من أكثر من ربع قرن.

وتمتلئ سجون بلاده بآلاف مؤلفة من السياسيين الكرد السلميين و المنتخبين في المجالس المحلية للمدن والبلدات الكردية في تركيا وكردستانها المغتصبة.

كل ذلك، مضافا الى البيان الغاضب الذي أصدره المجلس الوطني السوري منددا بالهجوم “الارهابي الغادر” الذي نفذه المقاتلون الكرد ضد الجيش التركي و مصرع عدد من الجنرالات الأتراك اثر هذا الهجوم.

وتطول القائمة في هذا المنحى.



عود على بدء
واذا عدنا الى موضوع المقدمة التي سقتها وعلاقة كل ذلك بموقف الكرد من الثورة المشتعلة في سوريا منذ أكثر من عام ونصف، نجد أن كيفية التعامل مع الوقائع على الأرض بالنسبة الى الكردي يختلف الى حد كبير عن شريكه العربي، ولذلك عوامل موضوعية تتعلق بسياسة النظام التكتيكية المعتمدة في المناطق ذات الغالبية الكردية وعوامل ذاتية يمكننا عرضها ببعض الأمثلة المستمدة من موضوع هذا المقال.
فعلى بعد كيلومترات قليلة من مكان اعلان كتيبة”الشهيد صدام حسين” يسكن شعب يشارك أعضاء الكتيبة في الانتماء الى سوريا، هو الشعب الكردي.

وقد قتل صدام حسين من الكرد في حملة واحدة سماها “الأنفال” أضعاف أضعاف ما قتله بشار الأسد وأبيه معا من السوريين منذ نصف قرن.
وعلى بعد كيلومترات قليلة من المكان الذي يجري فيه رياض الشقفة لقاءه الصحفي الذي يصدر فيه فرماناته “الاسلامية” ضد الحقوق الكردية في سوريا، ويعبر عن اعجابه بنموذج أردوغان الذي يجب أن يحتذى، يتظاهر مئات آلاف الكرد هادرين بحنجرة واحدة”أردوغان قاتل”.
وبالتزامن مع هذا وذاك يرتفع بعض الأصوات التي لا أشك في نياتها الطيبة منتقدة الحذر الكردي من الانخراط في الثورة السورية، طالبين منهم تأجيل التحدث في القضية الكردية الى ما بعد اسقاط النظام.

واذا تجاوب أحدنا، كمثقف أو كسياسي، مع هذه الدعوة التي قد تكون مفيدة باتجاه تفعيل العملية الثورية الطامحة الى التغيير الجذري، كيف يمكننا اقناع الانسان الكردي البسيط الذي يعتبر الأداة المباشرة في تحقيق التغيير المرتقب.

ليذهب أحدنا الى أحد شوارع عاموده أو القامشلي أو أية مدينة كردية ويطرح التساؤل التالي على أحد المارة:

–          أيهما تفضل، الجيش الحر ، وأقرب كتيبة لك تحمل اسم “الشهيد صدام حسين” أم كتائب الأسد ومخابرات العسكرية ؟

الخاتمة
لقد حاولت من خلال هذا العرض المختصر لبعض المستجدات العسكرية والسياسية، القاء الضوء على خلفية الشرخ الذي يتحكم بمشهد المعارضة السورية بشقيها العربي والكردي.

وقد تناولت بعض الأمثلة والمواقف التي تقف خلف هذا الشرخ، ولايعني هذا تبرئة الطرف الآخر، الكردي، المنقسم على نفسه والعاجز عن تجاوز حالة الانعزال والانغلاق التي غلفت السياسة الحزبية الكردية منذ عقود، والادمان على عادة الانسحاب من المؤتمرات والاجتماعات بدل الندية والمواجهة.

حيث أن المرحلة الحالية فرض على الجميع الوقوف على أبواب امتحان تاريخي، وما من أحد كان قد أعد نفسه لاجتياز مثل هذا الامتحان الصعب بنجاح.
…………………………………………………………………………………………
لمن يود مشاهدة الفيديو
(1) http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=lTe7TlFKRps
(2) http://www.youtube.com/watch?v=YPVVmJh3FVI

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ملف «ولاتى مه» حول المرسوم الجمهوري رقم (13) .. رأي المحامي محمود عمر   في إطار ملفه الخاص حول المرسوم الجمهوري رقم 13، يواصل موقع « ولاتي مه » نشر آراء قانونية وحقوقية متخصصة تسلط الضوء على أبعاد المرسوم وحدوده.وفي هذه المشاركة الثانية ضمن الملف، يقدم المحامي محمود عمر قراءة قانونية ودستورية نقدية، يتناول فيها التكييف القانوني للمرسوم، ومدى انسجامه…

صبحي دقوري ليس كل اعتراف اعترافًا، ولا كل مرسوم تصحيحًا للتاريخ. فالمرسوم الذي أصدره أحمد الشرع بخصوص الأكراد في سوريا لا يمكن قراءته بوصفه اختراقًا وطنيًا كبيرًا بقدر ما هو محاولة متأخرة لإعادة ترتيب اللغة السياسية للدولة دون المساس بجوهر بنيتها الإقصائية. الخطأ الأول في هذا المرسوم أنه يتعامل مع حقوق الأكراد كما لو كانت هبة سيادية، لا حقوقًا أصيلة…

جلال مرعي لم تكن الأحداث التي شهدتها الأحياء الكردية في مدينة حلب حادثة عابرة يمكن تجاوزها بالإنكار أو التبرير. ما جرى شكّل صدمة أخلاقية وإنسانية عميقة، وأعاد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول طبيعة الصراع، وحدود العنف، والمسؤولية السياسية والأخلاقية عما آلت إليه الأوضاع. مشاهد التمثيل بجثث الضحايا لم تكن مجرد تفصيل دموي، بل مؤشر خطير على تآكل القيم، وانكشاف…

أكرم حسين يكشف الجدل حول توصيف الوجود الكوردي في سوريا إشكالية عميقة، تتأرجح بين رفض مصطلح “الشعب الكوردي” والاكتفاء بـ”مكون” أو “أقلية”، وبين الاعتراف به بضفته شعباً ذا حقوق جماعية. يستند هذا الرفض إلى مقولة قانونية وسياسية تحصر مفهوم “الشعب” في الإطار المؤسس للدولة الوطنية الحديثة ذات السيادة والمواطنة المتساوية، وبالتالي لا يوجد سوى “الشعب السوري” الواحد. لكن هذا…