البروزة

  فرمز حسين

البروزة كلمة دارجة يستعملها السوريون  كثيرا للدلالة على الاهتمام بالشكليات والأطر البراقة فقط وإهمال المضامين الهامة والجوهرية وهنا أريد أن أذكر اخوتنا في القيادات السياسية الكردية السورية بأن المشهد السوري العام يضم بين جنباته الكرد أيضا ويظهر دورهم الفعلي ويقارن مع ما هو متوقع منهم, أنتم على الخشبة والشارع يترصد حتى أنفاسكم!

الارتقاء الى حجم مسؤوليات المرحلة الصعبة ليس فقط حاجة بل مطلب جماهيري ملحّ ينتظر من قادة المجلس الوطني الكردي في سورية أن يصلوا إليه, امتحان عملي لنضوج الساسة الكرد بعيدا عن المناظرة في فترة مرهفة الحساسية من عمر البلاد حيث لا توجد فيها هوامش ولا فسحات للأخطاء ولا متسعا للنسيان والتسامح .
اذا نظرنا الى المجلس الوطني الكردي الذي هو عبارة عن ائتلاف سياسي يضم قرابة ستة عشر حزبا متفاوت النفوذ والحجم فهو يمثل شريحة واسعة من الأطياف السياسية للشعب الكردي في سورية نرى أن هذا الوفاق تحت سقف هذه المظلة جاء نتيجة عوامل , ظروف , ضغوط وتوجسات فرضتها المسيرة النضالية للانتفاضة الشعبية العارمة التواقة للحرية على مستوى سورية عامة والتي بدأت سلمية وأغصبت على العسكرة تدريجيا.
كل خطوة باتجاه رصّ الصف الكردي هي مباركة  بلا شك وتستحق كل التقدير لكن المسيرة طويلة وتحتاج الى تضحيات كثيرة على طول الطريق تبدأ من الأمور الشخصية الضيقة مرورا بالمصالح الحزبية التي ليست أكثر اتساعا من الشخصية عندما يتعلق الأمر بأحزابنا من الكرد السوريين.

التحلي بالأدوات الأخلاقية والفكرية المطلوبة  يفرضه الواقع الأليم الذي يمر به البلاد سلوكا وأداء حتى الوصول الى ذلك اليوم الذي يتمكن فيه السوريون التخلص من نظام الحكم الشمولي وبناء سورية موحدة ليس على نهج البعثيين بإلغاء وإقصاء الاخر بل بلدا لكل السوريين بدستور يقرّ حقوق الشعب الكردي والاثوري والسرياني وغيرهم من الاثنيات الى جانب الشعب العربي في دولة مدنية تعددية ديمقراطية.
المجلس نجح الى حد ما من احتواء الشارع الكردي لكن هناك الكثير من المهام والواجبات الملقاة على عاتقه والتي لم يفلح في صياغة استراتيجية مناسبة تنسجم مع المرحلة التي تعتبر منعطفا تاريخيا مميزا,  منها  التنسيق مع مختلف التيارات السياسية السورية المعارضة والذي يستوجب الحضور القوي والمشاركة السياسية المؤثرة  في الفعاليات داخل وخارج سورية بعيدا عن سلوكية الانسحابات الهزلية والتي تترك أثارها السلبية وتشكل فراغا سياسيا باهتا في المكان الذي من المفروض أن يكون فيه التواجد الكردي ملحوظا.
 هناك أمر لا يقل أهمية أيضا وهو اظهار ذاتية القرار الكردي السوري حصرا مع كل التقدير للأطراف الكردستانية ومحاولة الاستفادة من تجاربهم السياسية لا نسخها, استقلالية القرار يخلق المناخ الملائم للحوار مع المعارضة السورية بمصداقية الجميع بأمس الحاجة إليها خاصة وأن هناك أمورا مصيرية تحتاج الى بيئة حوار شفافة.
حفاظ المجلس على كيانه أمر ايجابي دون أن يشكل ذلك عائقا من اشتراك ممثلين عنه في صفوف المعارضة السورية بل هي ضرورة لابد من تداركها لكي يأخذ المكون الكردي مكانه الطبيعي في الحراك السوري المعارض بهوية ناصعة واضحة المعالم لا كالحة مبهمة تقبل شتى التأويلات.


انشاء المجلس فروع له في الخارج من الخطوات التي تتمتع ببعد فكري ورؤية استراتيجية متسعة الأفق للواقع الكردي المعاصر ومحاولة ميمونة لحشد الطاقات الهائلة من كرد الشتات , لكن لكي يتم ذلك  يتطلب من الداخل الكردي وبالتحديد قادة الأحزاب الكردية ذات الشأن افساح المجال لممثليها في الخارج وعدم تكبيلهم بقيود علاقاتهم البينية القائمة شخصية كانت أم فكرية  في الوطن لكي تمارس على الشاكلة نفسها في الخارج.
المطلوب هو الاهتمام بجوهرية الأمور حتى لا يتحول المجلس الى مجرد بروزة لا أكثر.


.
فرمز حسين
2012-09-17
 مترجم وكاتب سوري مقيم في ستوكهولم
Farmaz_hussein@hotmail.com       
Stockholm-sham.blogspot.com          
Twitter@farmazhussein 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محمدالشرف الحسيني تمهيد: عندما يصبح الخطر من داخل البيت ليست كل هزيمة قومية نتيجة تفوق الخصم، وليست كل خسارة سببها قوة العدو. أحيانًا يكون الخطر الأخطر أن تتحول أدوات النضال نفسها إلى أدوات لاستنزاف القضية من الداخل؛ وأن تُرفع الشعارات القومية في الواجهة، بينما تتحرك في العمق حسابات سياسية أو تنظيمية مختلفة.او امور اخرى. ولعل الأحداث التي شهدها الحدث الكوردي…

إعداد: سليمان علي Suleiman Ali يسعى هذا التحليل الفكري المبسط بصبغة نقدية لتسليط الضوء على مجريات الاحداث المتسلسلة إلى قراءة سريعة لمسار تجربة الإدارة الذاتية المستهجنة لشمال وشرق سوريا (روجآڤا-Rojava) وذراعها العسكري (قسد-SDF) من الفترة الممتدة بين بداية 2011 وغروب شمس الحرية في أواخر هذا العام 2026….

مسألة اللغة القومية والاعتراف بها لا تختزل في اعتبارها لغة محادثة ولغة تعليم يا جهلة، يا قطيع الدوغما، فمجرد السماح بذلك لايعني الاعتراف بهويتك القومية، ولا اعتراف بك كمواطن كامل الحقوق ومتساو مع المواطنين المعترف بلغتهم كلغة رسمية، الاعتراف باللغة لها علاقة من جهة أولى بمساواتك ومشاركتك على المستوى السيادي في صناعة القرار السياسي، ومن جهة ثانية هذا الاعتراف باللغة…

علمنا في الهيئات والمنظمات والمراكز الحقوقية الموقعة أدناه من السيد رياض والد القاصر حسن سمو تولد الدرباسية عام 2011، أن ما تعرف بـ«الشبيبة الثورية/جوانن شورشكر»، قامت منذ حوالي شهرين ونصف من الآن، باختطاف ولده القاصر حسن من محله الذي كان يتدرب فيه على مهنة الميكانيك، ومن ثم اقتياده إلى مكان غير معلوم، علماً أنه سبق عملية الاختطاف، تهديده بها أكثر…