هل حرية الشعوب ستحقق بتراث الاستبداد

 دلكش مرعي

الثورات العربية نموذجا 

 في مقال لافت للكاتب طارق حميد رئيس تحرير جريدة الشرق الاوسط  بعنوان – هل تغيرت منطقتنا –  بعد الربيع العربي ويجيب الكاتب نفسه عن السؤال بقوله – ان التغير في دول الربيع العربي ليس بثورة بقدر ما هي إستيلاء على السلطة – ويستثني منها فقط الثورة السورية ويعتبرها الثورة الوحيد من بين هذه الثورات  – ويضيف قائلاً بأن دول هذه الثورات انغلقت على نفسها  بينما السعودية اصبحت أكثر انفتاحاً منها – قد يكون الكاتب على حق الا في تقيمه لدور المملكة العربية السعودية التي اصدرت العديد من المراسيم الملكية التي تضمن بعض من حقوق الشعب السعودي خوفا من من انتقال عدوى الثورات إلى داخل المملكة ولا احد ينكر دور السعودية الإقليمي والعالمي بسبب ثقلها البترولي والمادي – …..

ولكن الكاتب ينسى أو ربما يتجاهل  بأن قيم الطغيان والدكتاتورية والاستبداد لها جميعها بنائها العقائدي والفكري والتربوي التي ينطلق منها الطغاة كأرضية راسخة يستندون اليها  لفرض الهيمنة والسيطرة على الشعوب انطلاقاً من جملة القيم المتطرفة الكائنة في قيم الشعوب ذاتها كالتطرف الطائفي والقومي والعقائدي والقبلي أو استغلال الشعارات الخلبية كالمقاومة والممانعة  وغيرها من الأدوات التي يستغلها الطغاة والمتطرفين كآليات دفاع عن جرائمهم كمنهج وسلوك للتسلط والتفرد بالقرار وممارسة الظلم والعدوان والدكتاتورية واستعباد الشعوب وإلغاء الآخر وإقصائه وهناك من بدأ يستغل الدفاع عن الثورات للغرض ذاته ….

فيمكن القول بأن العقلية المتخلفة هي المدجنة التي تفرخ الطغاة والمستبدين والقتلة  فالتخلف والطغاة هما وجهان لعملة واحدة فهما بمثابة الحامل والمحمول فكلاهما ينتج الآخر أي ان البنية الفكرية المتخلفة هي وراء انتاج كل التناقضات الاجتماعية على مختلف الصعد وفي مختلف حقول الحياة  كإهدار كرامة الانسان وحقوقه وإحباط الطاقات والإمكانات الموجودة على الأرض وإنتاج حالة التبعثر والتشرذم والفقر والدكتاتورية والظلم والاستبداد وغيرها من الأمراض الاجتماعية المزمنة فمن يلقي نظرة متفحصة إلى السلوك الذي ينتهجها المتخلف في ظل أنظمة الطغيان والاستبداد سيلاحظ بأن كل ميوله وتصرفاته يتحرك نحو الخضوع خوفاً لمشيئة الطاغية من جهة وتمجيده والاعتزاز به من جهة أخرى فأنك تجد المتخلف يبدي اعجاباً غير طبيعياً لسلوك المستبد أو الدكتاتور يصل  في أحياناً كثيرة إلى حد التماهي بتصرفاته وشروره ويعود سبب هذه الظاهرة الى انتماء كليهما للبنية الفكرية ذاتها أي ان المتخلف يرى الطغيان الكائن في ذاته في سلوك الطاغية وتصرفاته ويرى بأن سلوك الطاغية يمثل سلوكه خير تمثيل وقد شهدنا هذا السلوك لدى العديد من ابناء الشعب العراقي الذين كانوا يهلهلون ويرقصون للطاغية صدام وكذلك للأسد والقذافي وغيرهم من الطغاة وهذا السلوك نجده لدى الشعب الكردي الذي يمجد هذا – السروك – أو ذاك فلم يتخلص الشعب الكردي بعد من أصنام الآخر وغرانيقه حتى بدأ من يبني اصناماً كردية من نفس النموذج الذي عانى الكرد من استبدادهم عقود طويلة فبدلاً القول بالروح بالدم نفديك كردستان يمجدون هذا المسئول أوذاك ولكن هذا السلوك هو سلوك زمني ينتهي بضعف الطاغية أو سقوطه فعند رحيل الطاغية يخلق في البداية لدى الشعوب المتخلفة نوع من الارتياح النفسي والفرح العارم ويعتقدون بأنهم قد تحرروا من ظلم الظالم وهمجيته وشروره وتألهه وبأنهم سيدخلون عصر الحرية والكرامة ويجهلون تماماً بأن القيم الكامنة في تراثهم المتخلف هو الذي ينتج الطغاة بل أن التراث المتخلف هو الطاغية ذاته وبأنه سينتج بعد فترة قصيرة العديد العديد منهم  فعندما انطلق الثورة السورية تنفس الشعب السوري بشكل عام والكردي بشكل خاص تنفسوا الصعداء واعتقدوا بأن عهد الطغيان والدكتاتورية والقتلة والمجرمين سينتهي بدون رجعة وأن ساعة الخلاص بدأ يلوح في الأفق وأصبح قاب قوسين أو أدنى وغيرها من الاحلام … ولكن من المؤسف لم يمضي الكثير على الأحلام الوردية لهذا الشعب ليبدأ حالة التشرذم والبحث عن الذات وتحقيق الأنا وحالة الصراع على حساب الدم السوري المنهار في الشوارع والساحات وعلى حساب الجثث المحطمة تحت ركام الأبنية المهدمة بقذائف طائرات النظام ومدفعيته وبدأ الصراع يتصاعد شيئا فشيئا ويأخذ طابعا أنيوياً متشرذماً فبدلاً من ان يكون للشباب السوري الذي قاد الحراك الثوري بدلاً من أن يتمسك بقيادة موحدة تقود الثورة تحولت ثورتهم الى ثورة التنسيقيات المتناثرة وأصبحت كل تنسيقية ترتبط  بهذه الجهة السياسية أو تلك  وبدلاً من وجود مجلس وطني موحد يضم كافة الطيف السياسي السوري وكافة مكونات ابناء الوطن بعربهم وكردهم وبقية المكونات من ابناء هذا الشعب  اصبح هناك العديد من المجالس والهيئات والتيارات السياسية والمنظمات المتناثرة زد على ذلك كتائب الجيش السوري الحر الذي بدأ هو الآخر يتشرذم وينتمي بولائه لهذا التيار السياسي أو ذاك وبدأت هذه القوى تتنافس وبحده هنا وهناك ليس من اجل خلاص الشعب السوري من هذا الكابوس الجاثم على صدره منذ اكثر من اربعة عقود بل من اجل احتلال المناصب السيادية في سوريا المستقبل مع احترامنا لكل الشرفاء والمخلصين داخل هذه التيارات والحركات الثورية  … ومن يلقي نظرة الى الصراعات الجارية على الساحة الكردية سيلاحظ الصراع المذكور ذاته فمن يلقي هذه النظرة سيجد هناك من يعبر عن وجوده السياسي الكردي عبر الندوات الكرنفالية المزركشة وفتح المكاتب والمقابلات الاعلامية والدورات التعليمية باللغة الكردية وغير ذلك من الأمور وسيجد إلى جانب ذلك من يفرض سيطرته منفرداً على الشارع الكردي بقوة الرشاش … بينما الأولية القصوى في هذه المرحلة الحساسة يتطلب توظيف كل الطاقات الموجودة وكل الجهود نحو وحدة الشعب الكردي لأن وحدة هذا الشعب هي الضمانة الوحيدة التي سيحقق الحقوق المشروعة لهذا الشعب على مختلف المستويات وعلى مختلف الصعد وليس فتح المكاتب والهروب من مستحقات المرحلة ومتطلباتها وأولوياتها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ملف «ولاتى مه» حول المرسوم الجمهوري رقم (13) .. رأي المحامي محمود عمر   في إطار ملفه الخاص حول المرسوم الجمهوري رقم 13، يواصل موقع « ولاتي مه » نشر آراء قانونية وحقوقية متخصصة تسلط الضوء على أبعاد المرسوم وحدوده.وفي هذه المشاركة الثانية ضمن الملف، يقدم المحامي محمود عمر قراءة قانونية ودستورية نقدية، يتناول فيها التكييف القانوني للمرسوم، ومدى انسجامه…

صبحي دقوري ليس كل اعتراف اعترافًا، ولا كل مرسوم تصحيحًا للتاريخ. فالمرسوم الذي أصدره أحمد الشرع بخصوص الأكراد في سوريا لا يمكن قراءته بوصفه اختراقًا وطنيًا كبيرًا بقدر ما هو محاولة متأخرة لإعادة ترتيب اللغة السياسية للدولة دون المساس بجوهر بنيتها الإقصائية. الخطأ الأول في هذا المرسوم أنه يتعامل مع حقوق الأكراد كما لو كانت هبة سيادية، لا حقوقًا أصيلة…

جلال مرعي لم تكن الأحداث التي شهدتها الأحياء الكردية في مدينة حلب حادثة عابرة يمكن تجاوزها بالإنكار أو التبرير. ما جرى شكّل صدمة أخلاقية وإنسانية عميقة، وأعاد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول طبيعة الصراع، وحدود العنف، والمسؤولية السياسية والأخلاقية عما آلت إليه الأوضاع. مشاهد التمثيل بجثث الضحايا لم تكن مجرد تفصيل دموي، بل مؤشر خطير على تآكل القيم، وانكشاف…

أكرم حسين يكشف الجدل حول توصيف الوجود الكوردي في سوريا إشكالية عميقة، تتأرجح بين رفض مصطلح “الشعب الكوردي” والاكتفاء بـ”مكون” أو “أقلية”، وبين الاعتراف به بضفته شعباً ذا حقوق جماعية. يستند هذا الرفض إلى مقولة قانونية وسياسية تحصر مفهوم “الشعب” في الإطار المؤسس للدولة الوطنية الحديثة ذات السيادة والمواطنة المتساوية، وبالتالي لا يوجد سوى “الشعب السوري” الواحد. لكن هذا…