ثورات الربيع ورياح «الخماسين»

صلاح بدرالدين

       واقعة الفيلم المسيء للاسلام المدانة وردود الفعل عليها ستنقشع غيومها بنهاية المطاف كما تلاشت مثيلتها خلال الضجة على االرسوم الهولاندية الكاريكاتيرية اما بضحايا هنا وتخريب هناك وتحركات دبلوماسية لرأب الصدع واعادة المياه الى مجاريها بتبادل الاعتذارات الرسمية للحفاظ على مبدأ توازن المصالح بين دولة المنشأ غير المسؤولة رسميا عن تدبير الفعل المستفز الذي خرج محتميا  بقوانين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية التي تجيز هامشا كبيرا لحرية الرأي والنقد الى أبعد الحدود حتى للديانة المسيحية الغالبة هناك .
      قد يكون مخرج الفيلم ومن مثل فيه لايحملون أجندة فردية معادية للدين الاسلامي وقد يكون محتجوا – بنغازي والقاهرة وتونس وصنعاء وغيرها – رغم الجريمة النكراء المدانة في قتل الأبرياء وحرق الممتلكات لايدافعون عن الله ورسوله ولايحملون ضغينة عدائية شخصية  للأمريكان خاصة والغرب عموما ولكن الجميع في الطرفين – المتنازعين – باستثناء قلة قليلة ” مندسة ” اذا ماأردنا الغوص أكثر في الحدث كانوا ضحية فاعل حقيقي غير مرئي ظاهريا وهما يتحاربان بالنيابة ويقدمان الخدمة لأهداف يتجاهلانها أصلا .

  الهدف الأساسي الوحيد لهذا الحدث الذي مازال متفاعلا وقابلا للمزيد من التأثير والتوسع هو الترحم على الدكتاتوريات المقبورة أو المخلوعة ووضع اشارات الاستفهام على ثورات الربيع في المنطقة من حيث مضمونها التحرري ومبادئها الوطنية من أجل الحرية والكرامة وشعاراتها الديموقراطية فمن جهة يراد اجهاضها في البلدان التي نجحت شعوبها في اجتياز المرحلة الأولى باسقاط نظم الاستبداد والتهيء لمواصلة النضال الثوري السلمي لاستكمال الأهداف في شقها الثاني باستكمال تفكيك سلطة الاستبداد وازالة آثار الدكتاتورية واعادة بناء الدولة الحديثة التعددية بمؤسساتها وهياكلها واداراتها وبناها التحتية صحيح أن مناخ حرية الرأي والتظاهر متوفر وضامن في بلدان مازالت انتهت من المرحلة الأولى للتو مثل ليبيا ومصر وتونس واليمن ولكن ليست مصادفة أن تهب قوى الشر والجهالة من جماعات الاسلام السياسي المختلفة في تلك البلدان الناشئة من عقالها لتعيث فسادا وتخريبا وتستغل أية حادثة حتى لو تقع في قارات بعيدة أو حتى من على كواكب أخرى وتتذرع بأي سبب كان لتوقظ الغرائز النائمة وتستنفر عناصرغوغائها في الشوارع والساحات وتوجهها ظاهرا الى أعداء مفترضين من وراء البحار ولكن في حقيقة الأمر يبقى الهم الأساسي هو حسم الصراع الداخلي لصالح قوى الردة وأدوات ظلامية القرون الوسطى ألم يطيح مهاجموا القنصلية الأمريكية في بنغازي وبصورة غير مباشرة بالمرشح الوطني الديموقراطي الليبرالي – محمود جبريل – لرئاسة الحكومة لصالح مرشح جماعات الاسلام السياسي في اللحظات الأولى من قتل وحرق السفير الأمريكي وصحبه وهم من أصدقاء الثورة الليبية على الاستبداد ألم يتخلص الرئيس الاخواني – محمد مرسي – من خصومه السياسيين والعسكريين بغض النظر عن من هم في أوج ملاحقة من سموهم بالخلايا الارهابية بمنطقة سيناء ومازال الحبل على الجرار في جميع تلك البلدان .


 الهدف الآخر الأهم بنظري من مثل هذه الأحداث المبرمجة المخططة لها بعناية من جانب أكثر من طرف اقليمي ودولي هو حشر الثورة السورية في الزاوية وهي عروسة ربيع الثورات والنموذج الأكثر تعقيدا وعمقا والأطول تجربة والأوسع آفاقا والتشكيك بمسيرتها وأهدافها واذا كانت جماعات الاسلام السياسي السورية المحسوبة بكل أسف على المعارضة  تتطوع جهارا نهارا في توفير مصادر الاتهام وأدلة الادانة بسلوكياتها الاشكالية وممارساتها المشبوهة في بعض الحالات وفي أكثر من مكان من ساحات المواجهة الداخلية فان القوى المتآمرة المؤثرة الباحثة عن أي دليل لادانة الثورة وحرفها عن مسارها الوطني الديموقراطي واجهاضها ودفعها نحو ممرات قاتلة لعقد الصفقة عبر الوسطاء العرب والأممين مع الحاكم المستبد على أساس الابقاء على النظام القائم بكل مؤسساته ولاضير بعد ذلك من رحيل الأسد بضمانات تحصنه من الملاحقة والمساءلة .
 بالرغم من أن تفاعلات الفيلم المسيء مازال في بداياتها الا أن جهات سياسية واعلامية عديدة ومن بينها أوساط النظام السوري والموالين له ومنذ اللحظة الأولى بدأت بتوجيه الأنظار نحو سوريا محاولة منها في توفيرنوع من الصدقية لخطاب نظام الأسد باعتبار مايجري في البلاد ليست ثورة وطنية بل عصابات مسلحة اسلاموية قاعدية أصولية همجية لاتختلف عن جماعات الغوغاء التي قتلت السفير الأمريكي ورفعت أعلام القاعدة السوداء في عواصم ومدن بلدان الربيع العربي التي نجحت في انجاز المرحلة الأولى من الثورات بالاطاحة بنظم الاستبداد ومن ثم محاولة استمالة الغرب والرأي العام الى جانبها خاصة وأن الحدث الأخير وملابساته تزامن مع تحرك نظام الأسد باتجاه مضاعفة التلاعب بورقة المكونات السورية الدينية والمذهبية والقومية .
  من الضرورة الآن وأكثر من أي وقت مضى أن تتداعى قوى وأطراف الحراك الثوري داخل وطننا من جيش حر وتنسيقيات وهيئات محلية ميدانية لتدارس ماحدث في الأيام الأخيرة واتخاذ الخطوات العملية الاحترازية اللازمة لدرء مخاطر قوى الجهالة والظلامية من الآن والحؤول دون تكرارسابقة مصادرة جماعات الاسلام السياسي لمقدرات ” المجلس الوطني السوري ” واستغلاله لمآربها في الثورة السورية داخل الوطن والاجماع على ترسيخ وحدة القيادة العسكرية الدفاعية والحراك السلمي الاحتجاجي والعمل سوية مع الخارج لبلوغ تحقيق خطوة أخرى باتجاه ولادة جسم سياسي ديموقراطي يكمل عمل الداخل ويعبر عنه مع العمل مجتمعين في سبيل صيانة الثورة من أية اختراقات آيديولوجية أصولية شمولية وحماية أهدافها النبيلة من أجل الحرية والكرامة والتغيير وتفكيك سلطة الاستبداد واعادة بناء الدولة الديموقراطية السورية التعددية لكل مكوناتها ومن أجلها .

 لاشك أن ثورات الربيع ستستمر وتتواصل وستحقق أهدافها بفضل الارادة الشعبية وما يحصل هنا وهناك من محاولات ردات وتشويهات لن تكون الا بمثابة رياح ” الخماسين ” التي تهب على مدار السنة حتى في أيام الربيع آتية من الصحاري القاحلة الجرداء .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ملف «ولاتى مه» حول المرسوم الجمهوري رقم (13) .. رأي المحامي محمود عمر   في إطار ملفه الخاص حول المرسوم الجمهوري رقم 13، يواصل موقع « ولاتي مه » نشر آراء قانونية وحقوقية متخصصة تسلط الضوء على أبعاد المرسوم وحدوده.وفي هذه المشاركة الثانية ضمن الملف، يقدم المحامي محمود عمر قراءة قانونية ودستورية نقدية، يتناول فيها التكييف القانوني للمرسوم، ومدى انسجامه…

صبحي دقوري ليس كل اعتراف اعترافًا، ولا كل مرسوم تصحيحًا للتاريخ. فالمرسوم الذي أصدره أحمد الشرع بخصوص الأكراد في سوريا لا يمكن قراءته بوصفه اختراقًا وطنيًا كبيرًا بقدر ما هو محاولة متأخرة لإعادة ترتيب اللغة السياسية للدولة دون المساس بجوهر بنيتها الإقصائية. الخطأ الأول في هذا المرسوم أنه يتعامل مع حقوق الأكراد كما لو كانت هبة سيادية، لا حقوقًا أصيلة…

جلال مرعي لم تكن الأحداث التي شهدتها الأحياء الكردية في مدينة حلب حادثة عابرة يمكن تجاوزها بالإنكار أو التبرير. ما جرى شكّل صدمة أخلاقية وإنسانية عميقة، وأعاد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول طبيعة الصراع، وحدود العنف، والمسؤولية السياسية والأخلاقية عما آلت إليه الأوضاع. مشاهد التمثيل بجثث الضحايا لم تكن مجرد تفصيل دموي، بل مؤشر خطير على تآكل القيم، وانكشاف…

أكرم حسين يكشف الجدل حول توصيف الوجود الكوردي في سوريا إشكالية عميقة، تتأرجح بين رفض مصطلح “الشعب الكوردي” والاكتفاء بـ”مكون” أو “أقلية”، وبين الاعتراف به بضفته شعباً ذا حقوق جماعية. يستند هذا الرفض إلى مقولة قانونية وسياسية تحصر مفهوم “الشعب” في الإطار المؤسس للدولة الوطنية الحديثة ذات السيادة والمواطنة المتساوية، وبالتالي لا يوجد سوى “الشعب السوري” الواحد. لكن هذا…