هؤلاء أكرادك يا؟

صبري رسول

المظاهرات السلمية وفق المنطق السياسي تُعَدُّ من أرقى أنواع النّضال السياسي، لأنّها نضالٌ جماهيريٌّ مباشر، يتعدّى التوسّلات الكتابية والتحليل السياسيّ الذي قد يُخطئُ فيه المرء أو يصيب، هذا النّوع من النّضال السياسي إشهارٌ جريءٌ للمطالب التي تخرج الجماهيرُ من أجلها.

المظاهرات الكردية التي تلّون الشّارع بالخصوصية الكردية؛ علماً، ألواناً، صوراً، كلماتٍ، شعاراتٍ، رموزاً؛ تبقى تحتفظ بهذه الخصوصية التي من أبرز مظاهرها: التفرّق، وتغليب الحالة الحزبية على الحالة الجماهيرية، الذّوبانُ في الانتماء التّكتلي، ورفضُ التكامل الشعبي.
 هنا جمهورٌ يبحّ صوتُه لشعاراتٍ خاصة بها، وهناك جمهورٌ صوته مختلفٌ في الأداء الشعاراتي؛ هنا ألوانٌ تترجمُ الموقفَ مما يجري، وهناك ألوانٌ تعبّر عن اختلافها، هنا ضجيج مكبّرات الصّوت يصمّ الأذان، وهناك ضجيجهم يتقاسم مع الطبل.

فالمشتركات الكردية: كشعبٍ تعرّض للقمع والظلم وإمحاء معالمه القومية، والهدف من هذا التظاهر، والعمل على تحقيق طموحاته القومية، كلّها لا تجد ترجمة في الشارع المتظاهر.

لا يجتمع الكرد حول المشتركات، بل يتفرّقون عن الاختلافات.

لنقل كما قال سليم بركات: هؤلاء أكرادك يا إلهي.

هنا كثيرٌ من الفوضى وقليلٌ من التنظيم، كثيرٌ هم الذين يتفيَّؤون الظّل على الأرصفة، وقليلٌ هم الذي يصطفون خلف الأعلام، وترى قياداتٍ حزبية تتصدّر الصفوف الأولى، كدلالة سياسية على أنّها تقود الحراك، وهي ربما وصلت إلى الصّف الحزبيّ الأول لملء شاغرٍ تنظيميّ ناتجٍ عن انشقاقٍ يفصل بين الإخوة والأعمام، وهي ربما لا تملك القدرة على صياغة جملتين صحيحتين لا باللغة العربية ولا بالكردية، وربما ليس بأي لغة أخرى، إنما هي قيادات الحالة الهلامية لإنقاذ أحد طرفي الحزب من الذّوبان، إنّها قياداتٌ خرساء، قد لا تجيد حتى الحوار الشفهي.

هؤلاء أكرادك يا بني.

ترى هنا مشاحناتٍ شبابية – شبابية تلفتُ أنظار الفضوليين، وينصرف المتظاهرون عن ميدانهم استطلاعاً على ما يحصل، كتلةٌ شبابية تريد التعبير عن نفسها، وأخرى كتلة تابعة لحزبٍ شقيق ترفضُ ذاك التعبير.

هذا الشاب لديه حبّ الذات ليُعلِنَ أنّه موجودٌ وبالشّكل الذي يريده، وذاك يرفضه، ويُحبُّ أنْ يكون ظلاً له، لا حقيقةً عن نفسه؛ وهناك مشاحنات مشابهة قد تكون صورة طبق الأصل.

هكذا يطغى الشّكل على المضمون، والثّانويّ على الرئيسيّ، ويتباهَى فريقٌ حزبيّ بأنّه أكثر عدداً من فريقٍ آخر، ويتباهَى متظاهرٌ في هذا التّجمع بأنّ صوت (بافلاتهم) أكثر ارتفاعاً من صوت التجمع الأخر هناك.

هؤلاء أكرادك ياصديقي.

قد يتبادر في ذهنِ أحدهم بأنّ هذه الأمور لا قيمة سياسية لها، لأنّ المظاهرات أقوى من هذه الترهات، قد أوافقه الرأي، لكن (كحرفٍ مستدرك) أليس هذه التّرهات أبعَدَتْ مئات النّاس من ساحة التظاهرات؟ الخصوصية الكردية المترْجَمة بـ(الفوضى والأنانية الحزبية والعراك الشبابي (طبعا ليس الحراك) وضيق الأفق السياسي لقادة الأحزاب الكردية، وغياب دور المثقف (الزئبقي والمترهّل) خلقت نفوراً عاماً من الشارع الثائر؛ ولا أدري أهذه الأدوار مرسومة بدقة، أم تأتي عن العفوية الكردية؟ هؤلاء أكرادك يا كردي!.

والمثقف المشاحِن الزّئبقي يخافُ من حرّ الصَّيف ومن برد الشّتاء، ويتظاهر خلف حاسوبه ضدّ الدولة والحزب والتنسيقيات والشبيحة وضد قادة الأحزاب الكردية والعربية، وأصدقائه الحضور الغائبين والمتظاهرين في الشرقية والغربية، وربما يتظاهر ضدّ قلمه ذات عصر.كلّ شيء يعنْوِنُ للفوضى إلى الضجيج، وحده يُخبرك الضجيج بأنه الأرقى.

كلّ شيء يعجُّ بالشارع إلا التنظيم، وحدَها الحالة التنظيمية هي الغائبة.

تجدُ كلَّ شيء في الشّارع إلا قادة الأحزاب الكردية، ويتمنَّى منهم القريب جغرافياً لو تمكَّن من نقلِ منزله إلى مكانٍ قصيِّ في طرف المدينة.

هؤلاء أكرادك يا أمي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…