إلى الأخ إبراهيم محمود…!!!

خليل كالو

 اعلم بأنك أنت الأول بلا منازع لا زلفى ولا ملقا بين كل أقرانك من المثقفين الكرد وأن رائحة الثوم تطغى على رائحة النرجس والياسمين ودردار الطبل تكتم على ألحان الناي .

لا خير في أمة يقودها رجال يعبثون بمصيرها وقيمها فيجعلون من عاليها سافلها ومن سافلها عاليها وهي لا تدرك حقيقة ذاتها وخاصة من فئة يستوجب أن تكون القدوة الرائدة في التغيير والتحديث وليس كل ما يعانيه المجتمع الكردي ليس سببه السياسة أبداً بل يتحمل ثلثي الوزر والإثم رجال الثقافة المزيفين وراكبي الموجة وهواة جمع المناصب والكراسي للتعويض عن نقص حاد في البنية الداخلية.

لقد نبت في غير تربتك وفي زمن غير زمانك وبين أناس ليسوا أفضل من القطيع ثقافة وغريزة إلا ما ندر “الشواذ لا تمحي القاعدة”.
فلا تحزن يا صاحبي فالشمعة تحترق لتنير درب الضالين وهذا هو نصيبك من تكريم وتقييم حيث لا يعرف من قيمة الذهب إلا من كان صائغا والمعادن إلا إذا كان من نموذج مندلييف وإلا لماذا بقي هذا الشعب في ذيل القائمة البشرية على كل المستويات.

فالذي لا يدرك أن وجوده مع الآخرين مزيفا وبلا هوية فكيف سيدرك حقيقة من كان جاهلا بأمره.

لا تستغرب وأنت سيد العارفين بأنك تعيش في مستنقع الجهل والضلال حيث مازالت الأمية بكل جوانبها وأشكالها المختلفة والمختلطة (أمية القراءة والكتابة وأمية الفكر والثقافة القومية والسلوك وأمية العصر من العلوم والتقانة ..الخ) تخيم على كيان المجتمع الكردي وتشكل العامل الأساسي في التخلف والتعثر والنهوض من أجل التقدم والتغيير والارتقاء نحو الأفضل .

   فنحن الكرد من أكثر شعوب الأرض أمية وجهلا بذاتنا وفقدانا للحرية وتحقيقنا للشخصية الآدمية ونحن فاقدون لها وحالنا شاهد علينا .

فهم لا يقرؤون ذاتهم فكيف يقرؤون لك حتى لو ألفت خمسين كتابا آخر وزدت أكثر حيث ألد أعداء الأمي الكتاب والقراءة وهؤلاء مسرورون بأميتهم وجهلهم ومصدر عيشهم زعامتهم ويكرهون الثقافة المكتوبة ككره الوطواط من النور وواثقون من أنفسهم في مجتمع جاهل بنفسه حيث جل ثقافتهم عندية  شفاهية ومشوبة مختلطة ومركبة من ثقافات كثيرة (كوكتيل) انتهت مدة صلاحية أغلبها لا تفيدهم في حياتهم العملية في أغلب الأحوال بشيء وسبب بؤس الكرد وشقائهم.

شخصيات كالتوابيت المتحركة ولوحات جدارية وأيقونات ” أنتيكا” تملأ الساحات والشوارع وهي في موسمها الذهبي تنبت كالفطر في شهر نيسان .فكل الشروط والظروف والبيئة ملائمة لنموها وتكاثرها لأسباب كثيرة فلو لم يكن الأمر كذلك ربما كان وضع الكرد أفضل مما هم عليه ومما زاد الأمر سوءا هو وجود مقود عربة الكردايتي بيد هؤلاء وهي فئة أغلبها نصف متعلمة بشؤون الحياة العامة أو شبه أميه لفنون الثقافة والسياسة بمقاييس العصر لا قياسا مع السلف ومقارنة بالقرن الماضي بل بمنطق وفقه وقواعد الثقافة والسياسة الحديثة.

تلك العربة التي تتعثر هنا وهناك وتتعطل محركها  أغلب أيام السنة تحتاج الآن إلى الدفع (الدفش) من قبل المتنورين ولا من مستجيب.

ما يرى ويسمع يا صديقي العزيز يحز النفس ويجرحها في العمق حيث تدار العملية الفكرية و الثقافية بالأمية المقنعة والمقننة والذهنية التسلطية بعد كل هذه السنوات الطويلة من الحراك والتقدم المذهل في مناحي الحياة في الجانب الثقافي والعلمي والتعليمي في العالم وبعد كل الحراك الشعب السوري العظيم .هذا ليس إبداع واكتشاف عظيم منا بل هو ما يتحدث به الواقع المعاش ومن لا يصدق ويعترض على هذا الكلام فما عليه القيام باستطلاع سريع حوله سوف يكتشف حجم الكارثة التي تعيشه المجتمع الكردي من وراء المنهج السياسي والفكري المتبع حيال التغيير ونهضة الكرد  وأن أي استطلاع عشوائي وبسيط حتى وأن أخذت عينات من شرائح مهنية و شهادات علمية عالية ومن وسط فئات أخرى متعلمة سوف يجد المرء ما هو في غير الحسبان والتوقع وسوف يجد أن نسبة الأمية المقنعة بين النخبة السائدة المفترضة قد تتجاوز 99% إن لم تكن 100% في بعض من هذه الأوساط التي تدعي الوجاهة والنخبة  الآن .

فهي لا تختلف عن سلفها في القرون الوسطى سوى بالشكل ربما تمر سنين دون أن يتصفح أحدهم كتاب تاريخي أو ثقافي أو فكري أوفي أي مجال آخر (سوى الفاتحة عند الصلاة) حتى بات الطبيب والمهندس أميا بكل مقاييس الأمية العصرية ليس لهم هدف خلاق سوى تعبئة البطون والجيوب والثرثرة في المجالس.

لذا طفت حقيقة هذه الفئة على السطح فكذبت كل مزاعمها بأنها مثقفة ولها نتاج ثقافي أو هم نخبة اجتماعية وقد تبين لدى البهلول والعاقل أنها لا تمتلك من الفكر والثقافة الكردية من شيء سوى أنها أواني فارغة تصدر أصوات مزعجة كما يقال بالعامية وليس لها هوية ثقافية متمايزة تبرزها وتميزها عن الآخر بل كل ما تمتلكها هي ثقافة غريبة هجينة لا يعرف دينها من إلحادها أو حتى انتماء الشخص إلى الأمة الكردية وليس القومية الكردية حيث لا أدب ولا فكر ولا وجدان ولا ذمة ولا روح للتضحية ولا مبادرة للتغيير ولا طريقة تفكير سليمة ولا منهج عمل سليم  للمستقبل عندهم .
 
   أخيرا أذكرك بقول حضر إلى الذاكرة للمرحوم أوصمان صبري “أستاذي الكبير” الذي كنا في استضافته ذات يوم حين قال: حذاري من أن يقودكم أيها الشباب رجال  ليس لهم عهد ولا وعد , يتصفون بالمكر والخداع , يفترون على شعبهم ويتقودون ويقولون ما لا يفعلون وهم أشبه بـ  ……..وقال كلام آخر لا يباح به .

كثيرة هي الشخصيات الماكرة والمخادعة واللوحات الرمادية والسوداء التي  تعتقد أنها نخبة وواجهة للمجتمع الكردي ساحة ومساحة  تؤذي عيون الناظر وتنغص على غيرها العمل والمبادرة وتسمم روح التفاؤل بالمستقبل حتى بات الكثيرين من أبناء هذه الأمة يكرهون عمل الكردايتي من جراء أعمال هؤلاء الفاسدين .

ولكن المستقبل للعلم والمبدعين ومجد الجاهل كالثلج في الصيف .
31.5.2012
xkalo58@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي ( أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة كويه)   تواجه الجماعات البشرية، من كل صنف ولون، عند المنعطفات التاريخية الحادة، أزمات في الوعي الأخلاقي المشترك، وتتجلى تلك الأزمات في الانحراف الحاد عن القيم الجماعية، التي توارثتها أو كانت مألوفة وسائدة، أو أجمع عليها البشر حتى حينها، ويطلق عليها عادة تعبير( الإفلاس الأخلاقي )لدى جماعة ما، أو تنظيم…

حسن صالح بصراحة تامة منذ تأسيس حزب الإتحاد الديمقراطي، في سوريا عام ٢٠٠٣، وهو يتبرأ من القضية القومية للشعب الكردي في غربي كردستان ، وأعلن عن موقفه جهارا نهارا، سابقا ولاحقا، وقام بخطف وتعذيب وتغييب الكرد الملتزمين بحق شعبنا الكردي في الحرية وتقرير المصير. وإذا قام هذا الحزب أحيانا، بعقد تفاهمات أو إتفاقات مع الحركة السياسية الكردية، فهي كانت تكتيكات…

محمود أوسو بين ملف النزاهة وشبح الاستفراد بالسلطة بغداد بعد أسابيع من تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي فالح الزيدي، تشهد العاصمة العراقية حملة اعتقالات وصفها مراقبون بأنها الأوسع منذ سنوات، 47 مسؤولاً بينهم 12 نائباً برلمانياً، ووزراء سابقون، ومسؤولون في وزارة النفط، جرى توقيفهم على ذمة قضايا فساد. الوقائع: مجلس للنزاهة واعتقالات في المنطقة الخضراء باشر الزيدي مهامه بتشكيل المجلس…

حسن قاسم ما يجري اليوم في المناطق الكوردية في سوريا ليس مجرد حراك احتجاجي عابر فرضته ظروف اقتصادية خانقة، بل هو تعبير حي عن تراكم طويل من المعاناة والإحباط الشعبي الناتج عن سوء الإدارة، وتراجع الخدمات، وغياب الرؤية السياسية القادرة على حماية مصالح الناس وصون كرامتهم. هذا الحراك، بما يحمله من مطالب معيشية وسياسية، يعكس وعياً متنامياً لدى الشارع بأن…