الأقلام المموهة

د.

كسرى حرسان

تسمو الكلمة المسؤولة كما يسمو الموج العملاق على الصخور والآكام، ويهدر الصوت المنافح عن حق شعب يطالب به حتى الموت الزؤام.
الحياة تجديد وإبداع، فإما أن نكون حياة تبث الحيوية، وإما أن نكون على الهامش أمواتاً هامدين، والشجاعة ليست ادعاءً، بل نضال فعلي ملموس.
والثقافة ليست سلعة يحتفظ بها صاحبها إلى حاجة في نفسه ولا أقوالاً نجود بها في المناسبات السارة، فلو لم يكن الهواء أوكسجيناً لاستمرار أنفاسنا لما انتفعنا بوجوده، ولا ينسب إلى ساكت قول، والساكت عن حق مغتصب وممتهن شيطان أبكم، فهل أصحاب الأقلام الكردية الواعدة – كما لوحوا لأحلامنا – شخصيات فاعلة الدور، أم أنهم تماثيل تندفع بالأهواء لتجد ضالتها في التهافت على الموائد والتكسب والإثراء من وراء جمع الصدقات.
أقلامنا المزعومة غائبة في هذه الفينات الحرجة، كأنها لا تعاين الحدث، أما فيما سبق فلطالما صرَّت وأزّت في ظلال الطبيعة الهادئة الوديعة، حتى إذا دقت طبول الحرية نابتنا صدمة الصمت العقيم صمت الأموات.
وإذا كان من المفترض واللازم أن يناط باليراع وظيفة وصف الحقيقة ومهمة النقد وكشف الأخطاء والمثالب ودور التوجيه لتيار الإصلاح والتغيير فهذا ما تفتقده أقلامنا.
وإذا كان من صفات المثقف الجرأة على المنطق وتبيان الحقيقة والصواب، لأن المنافحة السياسية لا تقل شأناً عن بسالة المحاربين في ساحات الوغى فأن التيه في دهاليز الخنوع والإذعان – وهذا هو واقع المثقف السياسي الكردي اليوم، وهو واقع اختياري محض – لا يليق بمثقف بل يحط من شأنه كل الانحطاط حتى حضيض الخدم والسخَرة، مهمَّش الوجود ضئيل الدور لا يعوّل عليه في المجلس الوطني الكردي إلا لإتمام النصاب العددي والإيهام بجو ديمقراطي يضفي صفة السيادة والرسمية على هذا المجلس أو بالأحرى على أربابه.
وأقول للذين قرروا أن ينشئوا رابطة الكتاب الكرد في مدينة قامشلي: إن الثقافة كلمة جوفاء إن بقيت خالية من المضمون، والمتطفلين على الثقافة كثر، لكن حاشا للهيكل الثقافي أن يضم هؤلاء بين أروقته، فلا يجوز أن يُعتدَّ بالمحسوبية، بل يجب الضم على أساس الكفاءة والأهلية، فشجرة المثقفين منبتها تربة قامشلي وأغصانها المنداحة تستمد فروعها من كل حدَب، وهي كلٌّ متجانس نقاءً يجب ألا تشوبها شائبة.
ويتحتم علينا ألا نستهين بالمهام الجسيمة التي تقع على عاتقنا، فالناهضون بأعباء الثورة جبلة من شرائح الشعب كافة تبذل الجهد بغية بلوغ غايات مثلى، وليسوا ثلة اجتمعت على أساس مصلحي هواوي لا تهمها مصالح المجتمع.

قام الفرنسيون بثورة عملاقة قوضت أركان أعتى الديكتاتوريات، ونحن اليوم بعد قرنين من الزمن ننوء بأيسر ما يتوجب علينا عمله.
من الضروري أن نستبعد الغوغاء أينما كانت مناصبهم، فليس من الجائز أن نُحكم بقادة مهنتهم النصب والاحتيال وبيدهم سلطة أقسى من النصل على العظم كما يقال.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…