الثورة السورية وملامح مرحلة جديدة ..

  افتتاحية آزادي * 

بعد مضي أكثر من عام على الثورة السورية السلمية ، وهي تزداد شعلة واتقادا ، ويزداد الشباب عزيمة وإصرارا على المضي قدما حتى تحقيق تطلعات الجماهير وقواها الوطنية والديمقراطية في الحرية واسترجاع الكرامة الإنسانية ، ومع اشتداد تقدمها وتطورها ، تظهر في الآفاق ملامح مرحلة جديدة توحي بتحولات دراماتيكية سريعة ، تتداخل فيها العلاقات الدولية والإقليمية وتتشابك المواقف من خلال الغايات والمصالح عبر التجاذب والتفاعل ، فهذه الثورة ومعها المعارضة السياسية في صراع تناحري محموم مع نظام القمع والاستبداد بشكل مباشر أو عبر امتدادات كل منها والقوى التي تساندها، فروسيا والصين إضافة إلى بعض القوى الإقليمية (إيران – العراق – لبنان…) تدعم النظام السوري وتسنده حاليا ، فيما يأمل هذا النظام بعودة الحرب الباردة وصراع الأقطاب واصطفاف جديد في المجتمع الدولي يخلق توازنا تختبئ خلفه أنظمة الاستبداد والقمع في العالم ،
 إنها أوهام تساور مثل هذه الأنظمة خاصة وأن روسيا قد فقدت عوامل تبوئها لمكانتها السابقة ، لأنها لم تعد تمتلك ذات الأهمية والهيبة لا نهجا ولا قدرات سياسية واقتصادية ، و المجتمع الدولي ورغم المصالح المتباينة فهناك قضايا وقواسم مشتركة فيما بينها فرضتها طبيعة التقدم العلمي والتطور السياسي في سياق المراحل المتعاقبة لتاريخ المجتمعات الإنسانية ، وفي المقدمة منها مبادئ حقوق الإنسان ، وحق الأمم والشعوب في تقرير مصيرها ، وعمليات التنمية الاقتصادية للمجتمعات المتخلفة ، وما تقتضي توفير عوامل تقدمها من انتفاء الإرهاب والأنظمة التي تدعمه وبناء النظم الديمقراطية على أنقاض تلك الأنظمة القمعية والاستبدادية ، والاعتماد في ذلك على القوى والأوساط الأكثر تضررا من تلك الأنظمة ..

وفي سياق آخر ، وبالتزامن مع هذه التطورات الهامة ، هناك مساعي دبلوماسية سلمية عربية ودولية مشتركة ، تكللت بمهمة السيد كوفي انان كمبعوث دولي عن هيئة الأمم المتحدة ، ورغم ما يبديه النظام من الاهتمام بهذه المهمة ، إلا أنه كعادته يستمر في استثمارها بأساليب تضليلية  لكسب المزيد من عامل الزمن ، على أمل استكمال عوامل حدوث تطورات جديدة قد تنجم عنها صراعات علنية على الصعيد الإقليمي ربما تتخللها هذه المرة جوانب دينية ومذهبية عبر التنافس على زعامة المنطقة أو حتى على زعامة العالم الإسلامي ولاسيما بين إيران وحلفائها من جهة وبين كل من تركيا والسعودية وحلفائهما من جهة ثانية قد تفضي بنظر البعض ومن بينهم النظام إلى تحولات واصطفافات أوسع ..
وفي جانب المعارضة السياسية ، ومساعيها الحثيثة من أجل لمّ شملها ، أو لاستمالة القوى والشعوب المحبة للحرية وحتى أنظمة ودول المجتمعات المتقدمة والداعمة للحرية والديمقراطية إلى جانبها ، بل لكسبها من أجل دعم الثورة السورية ومساندتها بحزم وجدية ، فقد سجلت في هذا السياق تقدما واضحا وتطورا ملحوظا ، تجلى ذلك من خلال مواصلة العلاقات واللقاءات ، أو الحوارات المباشرة عبر المؤتمرات والمحافل الدولية والإقليمية (تونس ، تركيا ..) ، حيث حازت على ثقة العشرات من دول العالم اعترافا ودعما وتأييدا ، بينها العديد من الدول العربية والإقليمية و دول عظمى ذات المكانة والأهمية في المجتمع الدولي من ضمنها (أمريكا وبريطانيا وفرنسا ..الخ) مما دفع بالمعارضة إلى التشجيع وتضافر الجهود نحو المزيد من العمل والنشاط بشكل موثق ووفق مناهج وبرامج مدروسة هذه المرة بغية تعزيز دورها ورص صفوفها قدر المستطاع ..
ولئن سجلت هذه المعارضة نجاحا ملحوظا في الآونة الأخيرة ، إلا أنها لم تكن موفقة بالمستوى المطلوب في تعاطيها مع القضية القومية لشعبنا الكردي في سوريا ، خاصة في محتوى الوثيقة الأساسية لمؤتمر المعارضة في استنبول التركية حيث لم تتضمن ما يشير إلى المقتضى من الأهمية اللازمة لهذه القضية ، لدرجة التنصل من الصيغة المقرة بهذا الصدد في مؤتمر تونس، مما أثار حفيظة المكون الكردي وحدا بوفد المجلس الوطني الكردي لاتخاذ موقف اضطراري بالانسحاب من المؤتمر، و قد لوحظ فيما بعد بذل مساعي حثيثة لتدارك الأمر بجدية ، إلا أن المطلوب لرأب الصدع كان ينبغي تناول هذه القضية من البداية وبكل وضوح وشفافية وجعل الصيغة المعلنة رغم عدم ارتقائها لطموحات شعبنا الكوردي عبر المؤتمر الصحفي في اسطنبول مدرجة من خلال نص الوثيقة الأساسية، و يمكن تدارك هذا الإشكال بإعادة صياغة وثيقة العهد الوطني لسوريا المستقبل من جديد، لأن محاولات تجاوز المكون الكردي بهذا الأسلوب وفي هذه المرحلة الهامة والحساسة لا يخدم المعارضة ولا الثورة السورية قبل أن يكون مساسا بالشأن الكردي ودوره وأهميته ..
وفي المحصلة فإن مجمل التطورات والمساعي تشير بوضوح إلى بروز ملامح واضحة لمرحلة جديدة تفرز قضايا هامة ، هي ثوابت راسخة لدى المجتمع السوري بكل مكوناته الوطنية القومية منها والدينية والسياسية ، على أن الثورة السورية ستظل مستمرة رغم آلة القمع والبطش التي تزهق الأرواح وتهدم البيوت والمباني ، تصيب وتشرد البشر وتزج بالمناضلين والنشطاء في السجون والمعتقلات ، فرغم كل ذلك تبقى هذه الثورة مستمرة ، لأن عوامل نجاحها وانتصارها متحققة عبر تلاقي الثورة بطلائعها الشبابية مع جهود المعارضة الوطنية السياسية مع دعم ومساندة الشعوب العربية ومجمل أصدقائها على الصعيدين الإقليمي والدولي ، وبالتالي فهي ثورة جميع الوطنيين والديمقراطيين السوريين ، وبكل ألوان طيفهم القومي والديني والسياسي ، وهي تجمعهم ولسوف تخدمهم وتحقق لهم تطلعاتهم عبر إنهاء نظام القمع والاستبداد ، وبناء الدولة المدنية الحديثة التي تكفل الحريات الديمقراطية وتصون كرامة المواطن وتضمن للجميع فسح المجال للمساهمة في بناء الوطن وتطوره ، والتمتع بكامل حقوقهم القومية والوطنية ، وتمكين الشعب الكردي من ممارسة كامل حقوقه القومية وفق إرادته، عبر الاعتراف الدستوري بوجود الشعب الكوردي كمكون رئيسي وأصيل في سوريا ، وحل قضيته القومية في إطار وحدة البلاد وبما يخدم تطورها وتقدمها ..


7/4/2012

بقلم رئيس التحرير

* جريدة صادرة عن مكتب الثقافة والاعلام المركزي لحزب آزادي الكردي في سوريا / العدد (443)

لقراءة مواد العدد انقر هنا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…