يا ثوار سوريا أحذروا «المجالس والهيئات»

صلاح بدرالدين

بعد عام من اندلاع الثورة الوطنية الديموقراطية السورية بالتزامن والتكامل مع ربيع الثورات في بلدان المغرب والمشرق وبعد تقديم آلاف الشهداء والجرحى وعشرات الآلاف من المعتقلين والمخطوفين وقرابة المائة ألف من الملاحقين والمهجرين لم تتحقق آمال السوريين وتمنيات ثوارهم في انبثاق حركة معارضة سياسية منظمة رديفة موحدة في الداخل والخارج تعبر بصدق عن طموحات الثورة وتجسد ارادتها في المحافل الاقليمية والدولية وتنجح في استمالة الرأي العام لصالح الأهداف المشروعة التي تحملها الثورة السورية في اسقاط نظام الاستبداد العائلي بمؤسساته وبناه ورموزه وتفكيك السلطة الأمنية المعادية للشعب واعادة بناء الدولة الديموقراطية التعددية بمشاركة كل مكونات وأطياف الشعب السوري
 كما أن الثوار بتنسيقياتهم ومجاميعهم وجيشهم الحر الشجاع وبكل تضحياتهم وادارتهم البطولية الرائعة للصراع مع نظام القمع والقتل الجماعي عبر استمرارية الحراك الثوري السلمي والمقاومة الدفاعية وابتكار وتطوير الشعارات والمطالب بتفاهم وتضامن وتنسيق بين كل مناطق البلاد نقول أن هؤلاء الثوار لم يحظوا حتى الآن بحركة سياسية معارضة تعبر عن حقيقتهم بل أنهم أصيبوا بالخيبة والاحباط بين الفترة والأخرى من هياكل ” الهيئات والمجالس ” التي لاتغرد خارج سرب الثورة فحسب بل تلحق الأذية بمسيرتها وتهدد وحدتها وتشوه أهدافها وتناقض ارادتها واذا كانت ” هيئة التنسيق ” تؤرق الثورة منذ قيامها وتشكل الطابور الخامس لمصلحة استمرارية النظام الجائر وتعمل على النيل من الثورة بصورة غير مباشرة باسم الواقعية وتحت ظل شعارات وطنجية مزايدة مثل عدم التدخل الخارجي ورفض الحماية الدولية (يعني ذلك عمليا سحق الثورة والمزيد من الضحايا من دون دعم الرأي العام وتدخل المجتمع الدولي لأن موازين القوى الردعية لمصلحة النظام الذي زج بكل قواه ضد الثورة السلمية منذ اليوم الأول) اذا كان دور الهيئة كذلك فان ” المجلس الوطني السوري ” الذي قام على أساس خاطىء ومشوه يدار من جماعة الاخوان المسلمين المستعدة دائما لرهن القرار لارادة القوى الاقليمية والدولية هذا المجلس بدأ ظاهريا وفي وسائل الاعلام بتمثيل ارادة الثورة الا أن ثبت موقعه على الصعيدين الاقليمي والدولي يحاول الآن فرض ارادته على الثوار اما بالابتزاز المالي أو الغطاء السياسي أو الاستقواء بحكومات مجاورة لسوريا وبعد أن ارتشى بوضح النهار في اجتماعات استانبول من المرجعيات الفاعلة تخلى عن فكرة توحيد المعارضة السورية وضرب عرض الحائط بكل الالتزامات والتعهدات بهذا الشأن وخطا خطوة نحو الانحراف عن أهم وأقدس أهداف الثورة  وهو اسقاط النظام وذلك بتأييد خطة كوفي عنان القاضية أولا وآخرا وفي نهاية المطاف وبحسب مقتضيات التوازن في الارادة الدولية ومصالحها المتشابكة بالتحاور مع نظام الأسد أي ضرب الثورة من خلف ظهرها والانقلاب عليها وحرمان الشعب السوري من آماله في استعادة الحرية والكرامة فالسيد عنان لايلام لأنه وفي نهاية الأمر ليس الناطق باسم الثورة السورية ولامفوضها بل نقطة اجماع بين أعضاء مجلس الأمن وعامل توازن بين المختلفين من عرب وأجانب حول القضية السورية أما المجلس فهو المنوط والمؤتمن عليه حتى قبل مؤتمر استانبول من جانب قطاع من الثوار في الداخل وهم الآن كما علمت في دور المراجعة واعادة النظر .

  لقد قامت الثورة السورية على أكتاف الشباب وتوسعت في الوسط الشعبي واحتضنتها الجماهير الواسعة في المدن والأرياف وتجاوب مع وقعها أحرار الجيش السوري بمعزل عن كل الأحزاب والجماعات التقليدية التي اما استهجنت الثورة أو حاولت عرقلة سيرها والالتفاف عليها واندلعت الثورة قبل ظهور الهيئات والمجالس وكل المعارضات الخارجية التي لم تترك مسميات في القاموس السياسي الا واستخدمتها واذا كانت الثورة قد نمت وتدرجت من احتجاجات وتظاهرات الى انتفاضة ثورية ثم الى ثورة بدء من تراكماتها منذ هبة الكرد الدفاعية قبل ثمانية أعوام ولم يحالفها الحظ لتتحول الى انتفاضة وطنية عامة مرورا بتجمعات دمشق والاحتجاجات امام وزارة الداخلية وبشائر الثورة في درعا الصامدة وانتهاء بالثورة الوطنية الديموقراطية في كل سوريا فان قيامها وترسيخ معالمها سبقا قيام الهيئات والمجالس الداخلية والخارجية التي ظهرت حديثا وليس لها أية أفضال على الثوار وبامكان الثورة الاستمرار بدونها أيضا اذا شاءت ف– هيئة التنسيق – ظهرت في (30 – 6 – 2011) أي بعد أكثر من ثلاثة أشهر من اندلاع الثورة وفي دمشق دون منع من أجهزة السلطة بسقف لم يتجاوز الاصلاح من دون شعار اسقاط نظام الأسد – و المجلس الوطني السوري – ظهر في (2 – 10 – 2011) باستانبول أي بعد حوالي سبعة أشهر من قيام الثورةوعلى أسس غير ديموقراطية وغير متوازنة وتحت هيمنة الاخوان المسلمين أما – المجلس الوطني الكردي – أو مجلس الأحزاب التقليدية التي فات أوانها فقد أعلن بالقامشلي في (26 – 11 – 2011) بعد حوالي ثمانية أشهر من قيام الثورة وبرضى السلطة ومعرفتها من دون تبني شعار اسقاط نظام الأسد والابقاء على باب الحوار مفتوحا مع السلطة والانطلاق من مفهوم غريب عن الحركة الكردية وهو البقاء على مسافة واحدة بين النظام والمعارضة ولن نغوص أكثر في استذكار وسرد عشرات أسماء الكتل والجماعات والشخصيات التي يبحث قسم من القيمين عليها عن مواقع فقط .

 أمام هذا المشهد الحزين وازاء هذه اللوحة السوداوية لأحوال حركات المعارضة السياسية الخارجية منها والداخلية خاصة بعد الاخفاق في كل من الخيارين المطروحين اعادة هيكلة المجلس برنامجا وتشكيلا وبناء اطار جبهوي يضم الجميع على أسس برنامجية سليمة تتوجه الأنظار الآن نحو الثورة في الداخل من تنسيقات شبابية ومجموعات ونشطاء وجيش حر من أجل أن تعيد النظر في من منحوا الثقة سابقا وسقطوا بالامتحان والتحرك السريع في سبيل اختيار من يمثل الثورة من داخلها وذلك وكما أرى بانتخاب لجان في مختلف المحافظات السورية يراعى فيها تمثيل كل المكونات بالعدل ثم تختار لجان المحافظات لجنة عليا مقررة تحدد من يقوم بخدمة الثورة في الخارج على الصعد الدبلوماسية والاغاثية – المالية والسياسية والعسكرية من أصحاب الخبرة والكفاءة ومن الوطنيين المخلصين الذين واجهوا الاستبداد منذ عقود على أن لايزيدوا في الوهلة الأولى عن 10 – 20 شخصا قابلين للزيادة وتحت مسمى جديد يختلف عن التسميات السابقة تنسجم مع خصوصية الثورة السورية وتجربتها الفريدة وأن تتم عملية التسليم والاستلام في كل مايتعلق بالثورة ومكاتبها وعلاقاتها وممتلكاتها باشراف اللجنة العليا ومسشاركة ممثلي الجيش الحر وممثلين عن الدول المعترفة بالمجلس والمانحة له وبذلك تكون الثورة قد حمت نفسها ورسخت جذورها ونفذت قرارها المستقل وتهيأت لكل الاحتمالات ومواجهة مختلف التحديات من بينها الاستعداد لمواصلة الكفاح مهما طال حتى اسقاط نظام الأسد المستبد .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…