آفة الشقاق والانشقاق الكردية من السياسي إلى المثقف

عمر كوجري

ابتليت الحركة السياسية الكردية منذ نشأتها في أواخر خمسينيات القرن الماضي وإلى الآن بتشظيات هي في مجملها لم تحمل أي تبرير، وفي أحايين كثيرة كانت تدعو إلى الاستهجان والسخرية، وكان الجميع للأسف يتقاتل ويتناطح من أجل الفوز بمنصب قيادي، لأن منصب السكرتاريا والأمانة العامة لا يتركه صاحبه إلا إذا كان للرب كلام آخر، أي من الكرسي إلى المقبرة.
في الآونة الأخيرة، وفي خضم أحداث الثورة السورية الموسومة بمدها وجذرها ووميض بريقها وخمودها، برز على سطح الشارع الكردي داء الاحتراب والحراب الثقافي الكردي، وأظهر المثقفون الكرد السوريون مقدرة فائقة على تقليد أقرانهم وأسلافهم من الوسط السياسي الكردي، وبدؤوا بامتشاق الخناجر بدلاً من الأقلام، وصار الكل وفي لحظة انتشاء يبحث عن ذاته الضائعة، ويريد أن يشكّل له ما شاء حيّزاً يشبه مؤسسة أو رابطة أو جمعية أو منتدى وما شاكلها.

في خضم هذه الفوضى غير الخلاقة أبداً.


بصورة شخصية دعيت في الآونة الأخيرة لحضور أكثر من مناسبة ومحفل ومؤتمر للإعلان عن رابطة جديدة أو اتحاد جديد، وكنت أطلب التريث ريثما تتوضّح معالم هذه اللوحة التي أغمت وأعمت عيون الكثيرين.


    قبل أيام طالعتنا المواقع الكردية الناطقة بالعربية سجالات وأخباراً تصب في جانب التهافت وتهافت التهافت على إحياء مؤتمرات كردية للم شمل الثقافة والكتاب الكرد، وظهرت على السطح خصومات ومعارك أحسبها في جلّها جانبية، ولا تخدم الثقافة الكردية، فقد أشيع “من باب الإشاعة وليس التأكيد أن رابطة الكتاب والصحفيين الكرد ستعقد مؤتمرها التأسيسي أو التنشيطي في هولير العاصمة حتى سارع بعض زملائنا الأحبة إلى قطع الطريق عن هؤلاء بدعوى أن هذا المؤتمر «لا يمثلنا» وسطّر هؤلاء بياناً «لست في مقام ذمهم» قالوا فيه إن الموقعين من كتاب وشعراء وصحفيين كرد في داخل سورية، يعلنون عدم مشاركتهم في مثل هذا المؤتمر المزمع إقامته في هولير أو في أية مدينة خارج سورية.

ولا علاقة ” لنا به وبما يصدر عنه من مقررات وبنود، كونه لا يمثل عموم الكتاب والشعراء والصحفيين في الداخل السوري”
إذاً: نحن أمام حالة شقاق وانشقاق من المثقفين والصحفيين الكرد السوريين حتى قبل أن يبدأ مؤتمر هولير أعماله، وبالتأكيد بادر المبادرون من الجبهة الأخرى، وانبروا للدفاع عن رابطتهم المشكّلة أصلاً منذ عام 2004  وبالتحديد في عيد الصحافة الكردية، وبتحديد أكثر مع انتفاضة قامشلو.


 هذا هو مقتل الثقافة الكردية التي أصيبت بعدوى أحزابنا كما ثبت في استهلال المقال، ربما كان ينبغي على اللجنة المكلفة بإحياء المؤتمر أن تملك رصيداً من التأني، وتضع الجميع في صورة الموضوع، حتى لا تتقاذفها التهم بأنها تسرعت في عقد مؤتمر هولير لأنها «ريالها شاطط» على المظروف الأنيق الذي سيتسلّمُها المؤتمرون، مثلما فاز بهذا المظروف «عشرة آلاف دولار»   قيادات المجلس الوطني الكردي السوري من أحزاب ومستقلين، وما أثار هذا المظروف من زوابع غير محمودة العواقب، وانتشار بعض حالات الإنكار والاستنكار، ورغبة البعض في الفوز بمحتوى المظروف باعتباره «هدية شخصية» وطمس الخبر حفاظاً على وعد قطعوه بعدم إثارة الموضوع مع أحد!!
  ربما أيضاً كان على موقّعي البيان، أن يصبروا قليلاً على زملائهم، وخاصة أن بعضَهُم خرج ببيان مضاد أو تصريح نفى علمه بهذا البيان، واستنكر ورود اسمه في قائمة المُوقّعين.
 أزعمُ أنّ البحثَ عن تشكيل جديد لصحفيينا وكتابنا، «هل كلُّ مَن كتب مقالة رفعَ فيها المفعول، وجرّ الفاعلَ صار كاتباً نحريراً و..

صحفياً؟؟!  وتقسيم المقسّم وتجزيء المُجزّأ لا طائل منه.


أقترح أن نبني رؤيتنا وحتى رؤانا على الجسم الموجود منذ عام 2004 ونطوّره بدلاً من تشظيات وانقسامات وحروب عبثية فيما بيننا، فبحسب علمي أن الكيان الموجود يضم أكثر من مئتي وخمسين عضواً ، وفيه أسماء إبداعية حقيقية في الداخل والخارج، وسبق أن قام الكيان الموجود ببعض الأنشطة على صعيد الدفاع عن كتابنا المعتقلين في سجون النظام السوري، وتخصيص جوائز جكرخوين وحامد بدرخان للإبداع الشعري، وجائزة رشيد كرد، وجائزة القلم التي منحت للكاتب والسياسي الشهيد مشعل التمو، وغيرها من  الأنشطة التي يمكن تطويرها.
إذاً:
لا عملَ كاملاً في أيّ مقام، فليتريث الزملاء المستعجلون، وليكن صدور القائمين على المؤتمر أوسع «سمعت أنه تأجل لأجل غير مسمى بسبب بيان كُتّاب الداخل الاستهجاني» ولا يتباروا على حشر أقرانهم أصحاب البيان في زاوية ضيقة، والتشكيك بنواياهم، والتصريح بأن عديدهم لا يملك رصيداً أو حضوراً إبداعياً واضحاً، ولا يملكون الجرأة في توصيف الحدث السوري الحار جداً منذ ما يقارب العام، ونعتهم بالجبن والخوف، وغيرها من الأوصاف غير اللائقة، فربما كان لهؤلاء  كُتّاب الداخل   ما يبرر صمتهم الذي ربما طال أكثر من المأمول منهم، باعتبارهم ضمير شعبهم السوري أولاً، وسفراء شعبهم الكردي تخصيصاً، وعليهم إبداء مواقفهم حتى لو كانت مغلّفة ببعض الغموض الواضح وغير القابل للالتباس المجاني!!
emerkoceri@gmail.com   

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…