الكل مدعو إلى رفض عسكرة الجزيرة !! *

 (جعل الشريط الشمالي للجزيرة منطقة عسكرية كمنطقة الجبهة بحيث توضع فيها قطعات عسكرية مهمتها إسكان العرب وإجلاء الأكراد وفق ما ترسم الدولة من خطة).
هذا ما جاء بالحرف في الفقرة التاسعة من المقترحات بشأن ( المشكلة الكردية ) في دراسة للمدعو محمد طلب هلال (ضابط برتبة ملازم أول حينذاك رئيس فرع الشعبة السياسية بالحسكة في مطلع الستينيات من القرن الماضي) عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية الاجتماعية السياسية والتي جاءت بصيغة عنصرية متكاملة تعادي الكرد بشتى الوسائل والسبل ولا تخدم سوى النزعات الشوفينية الاستعلائية التي تنشر بذور الحقد والضغينة بين مختلف ألوان الطيف الاجتماعي السوري وخصوصا بين الكرد والعرب الذين تجمعهم في السراء والضراء رغبة التعايش والتآخي منذ أزمنة غابرة تضرب بجذورها أعماق التاريخ ..

وقد أخذت تلك الدراسة ولاسيما مقترحاته الإثني عشر السيئة الصيت الخاصة بالكرد بمجامع قلوب الأوساط الشوفينية الحاقدة ، وغدت دليل عمل للعديد بل لكل الحكومات السورية المتعاقبة في معرض تعاطيها مع الوضع الكردي ، سواء ما يتعلق منها بالإحصاء الاستثنائي الذي جرد الآلاف المؤلفة من العوائل والأسر الكردية من جنسيتها السورية أو بالحزام العربي أو بسياسة التعريب للمناطق الكردية أو بالقوانين والقرارات الاستثنائية التمييزية الجائرة أو بسياسة الضغط والاضطهاد ..الخ
هكذا عانى أبناء الشعب الكردي من لدن الحكومات السورية المتعاقبة ووفق تلك الدراسة ، حيث ما أتت أخرى إلا لتضيف إلى سابقاتها هماً آخر يزيد كاهل أبناء هذا الشعب ثقلاً ، إلى أن جاء اليوم الذي تتوافد فيه قوافل الجيوش إلى محافظة الحسكة بعد أن تم بناء معسكراتها ( تل كوكب ، تل بيدر، هيمو..) بغية عسكرة المحافظة في زمن تطلع فيه الشعوب إلى تخفيف وطأة العسكر بل إلى حياة مدنية تواكب عملية التطور والتقدم ..
لا أحد سوى تلاميذ الضابط هلال من الأوساط الشوفينية يرى مبرراً قط لاستقدام هذا الجيش ، فخلال العهود المتتالية من التوتر مع الدولة التركية وصلت في بعض المراحل إلى تشكيل المقاومة الشعبية لم يتم استقدام الجيش إلى هذه المحافظة ، كما لم يتم ذلك إبان الصراع العنيف مع النظام العراقي البائد وخصوصا عند اختراقه الحدود السورية بسياراته المفخخة ، كما لم يتم ذلك مع استقدام القوات الدولية أرض العراق ..الخ ويتم اليوم بعد أن تمت المصالحة مع الجانب التركي وتوقيع الاتفاقات الأمنية معه ، وانتهاء النظام العراقي الدكتاتوري ، ودنو أجل انسحاب القوات الأجنبية من العراق ..

ذلك هو الأمر الذي يبعث على الشك بل يؤكد حقيقة ما نذهب إليه وهو تطبيق الفقرة المذكورة أعلاه من الدراسة ( العتيدة) تلك أي عسكرة الجزيرة ضد الخطر الكردي المزعوم ، الأمر الذي يبعث على الاستهجان ويثير حفيظة أبناء المحافظة لما قد يحصل من المشاكل والتجاوزات التي كانت وما تزال محافظتنا في غنى عنها ..
من هنا نرى أن الجماهير وقواها السياسية في المحافظة ولاسيما الحركة السياسية الكردية مدعوة إلى رفع صوت الاحتجاج على استقدام هذه الجيوش والمطالبة الصارمة بعودتها إلى حيث أتت ، ومن ثم دعوة السلطات إلى الكف  عن الممارسات السياسية الجائرة بحق الشعب الكردي أو النظر إليه بارتياب ، كما ينبغي التصدي بحزم للعقليات الشوفينية الحاقدة ومنعها من النيل من تعايش أبناء المجتمع السوري بكل ألوان طيفه القومي والاجتماعي وخصوصا الشعبين العربي والكردي وتعزيز أواصر الأخوة وتوفير عوامل الثقة بينهما بما يخدم وحدة البلاد وتقدمها وتطورها .

————————————————

* العدد 379 تشرين الثاني 2006 من جريدة آزادي التي يصدرها المكتب المركزي للثقافة والاعلام لحزب آزادي الكردي في سوريا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…