الخديعة

صلاح بدرالدين

يظهر لنا التاريخ القديم كم من الثورات الوطنية والقومية والاشتراكية تعرضت الى الغدر ونزعات الردة والتحريف والتصفية ليس من لدن العدو والخصم فحسب بل من جانب من ركبوا موجاتها وتلونوا بأشكالها وتسللوا الى مواقعها المتقدمة ليعيثوا فيها خرابا ويحدثوا بها مقتلا ويعيدوا عقارب الساعة الى الوراء عقودا طويلة ملحقين الأذية بقضايا الحرية والتقدم عابثين بارادة الشعوب في تقرير مصائرها وفي راهنية ربيع الثورات نشهد عناصر الردة الأصولية ( اسلامويين وقومويين ) تحوم تحت جنح الظلام أحيانا وعلانية في أكثر الأوقات حول تلك التجارب الثورية الغضة وخاصة في تونس ومصر لتنال من براءتها وعفويتها وتعرقل مسيرتها في منتصف الطريق وتزيف أهدافها النبيلة قبل تحقيقها أما الحالة السورية وبتعقيداتها المعروفة وتشابكاتها المحلية والاقليمية والدولية باتت أكثرها عرضة لمخاطر الردة الداخلية ناهيك عن تحديات المواجهة الشعبية المباشرة مع العدو الرئيسي المتسلط في ساحات المدن والبلدات وطول البلاد وعرضها .
     لاأريد هنا تمضية وقت القراء جزافا والحديث حول مضمون ” بروتوكول ” منشور عشية يوم الميلاد بين ” المجلس الوطني السوري ” و ” هيئة التنسيق ” لأن ما أعلن لايفاجئني للأسباب التالية :

    1 – من العبث الوقوف طويلا أمام مواقف وسياسات جماعات الهيئة فغالبية رموزها ورؤوسها قد ارتضت لنفسها ومنذ زمن طويل قبل اندلاع الثورة السورية أن تكون تحت عباءة نظام الاستبداد وتفننت في اختلاق الأسباب الذرائعية لسلوكياتها المثيرة للشكوك الى درجات الارتياب منذ بدايات موجة الربيع الدمشقي مرورا باعلان دمشق للتغيير وانتهاء بالاصطفافات الجديدة بعد الانتفاضة الوطنية التي تحولت ثورة عارمة فقسم من هؤلاء الأشاوس !!! أجهض العديد من الفرص أمام الحركة الوطنية السورية في العقود القريبة الماضية وقسم انحاز الى صف النظام في الأوقات الحرجة خاصة خلال حملة الاعتقالات – الكيفية – التي استهدفت عناصر التيار الجذري الأكثر جدية في اعلان دمشق وقسم عاد الى بيت الطاعة صاغرا ذليلا من بوابة مطار دمشق الدولي وقسم عقد الصفقة المذلة مع أجهزة نظام الاستبداد بعد انقضاء شهور أربعة من عمر الثورة وكل هؤلاء يزعمون أنهم معارضة الداخل ويتغنون بصوت واحد على وقع النوتة المرسومة من المصدر الواحد في استخدام مقولة رفض الحماية الدولية للمدنيين السوريين الذين يقدمون عشرات الشهداء على مدار الساعة سلاحا لتصفية الثورة واعادة الاعتبار لنظام الاستبداد الذي يعيش الهزيع الأخير من ليلة فنائه وبزوغ فجر الحرية فمزايدات هؤلاء القومجية – الوطنجية لم تعد تنطلي على أحد خاصة عندما يدعون أنهم ضد التدخل الخارجي مستثنين التدخل العربي متناسين أن دولة مثل سويسرا – غير العربية – أكثر تقدما وانسانية وديموقراطية من ثلاثة أرباع أنظمة دول الجامعة العربية فما هذه العنصرية البغيضة وماهذه الثقافة المنحطة في تقييم الدول والبلدان هل هي ثقافة حقوق الانسان وخطاب الأحرار والثوار ؟ وما هذا الفرز العشوائي الشوفيني بين تدخل وآخر فلا يختلف هذا عن ذاك استنادا الى القوانين المحلية والدولية ومبادىء السيادة الوطنية والاستقلال .
   2 – مابني على باطل فهو حكما باطل ولن يصدر منه غير الباطل فالمجلس الوطني ولد مسخا من اليوم الأول بعيدا عن الشرعية الوطنية والثورية وبمعزل عن توافق أطراف المعارضة الوطنية وممثلي المكونات القومية ( الكردية ) على وجه الخصوص والدينية ( المسيحية العربية مثلا ) والمذهبية ( العلوييون على سبيل المثال ) ومن المعلوم أنه قام بارادة خارجية ( تركية وقطرية ) وهذا لاينفي توق السوريين الى اطار سياسي وعنوان لثورتهم وبني المجلس كهيكل عنوانه الاخوان المسلمون مما ألحق الضرر البالغ بالقضية السورية وأرعب أكثر من 45% من سكان سوريا من الكرد والأديان والمذاهب والأثنيات غير العربية وغير المسلمة السنية كما أقيم على عجل على طريقة السلق السريع وحسب أمزجة القيمين عليه مما أسفر عن استحضار جماعات من المتسلقين الذين يفتقرون الى أدنى شروط القيادة والنهج السليم وفي مقدمتهم متزعمهم الذي يبدو أن مسألة المعارضة والثورة والتحرير من آخر أولوياته جلهم مبتدئون في الحراك المعارض لم يعانوا السجون والملاحقات ولم يمارسوا النضال السري ولم يتضرروا من مواقف النظام بل كانوا قبيل الثورة وحتى بداياتها من زوار دمشق ومن غير المغضوب عليهم حتى جماعة الاخوان المسيطرة على المجلس كانت حتى الأمس القريب في حوار عن طريق أطراف ثالثة مع النظام فهل يمكن التعويل على هكذا مجلس وقيادة ؟ وهل يرتجى من هؤلاء غير اقتراف الأخطاء والخطايا ومن ثم التصحيح واعادة التصحيح ؟ .


    3 – المجلس والهيئة سوية في واد والشعب السوري وثورته في واد آخر فسقف برامجهما ومواقفهما السياسية لايتعدى محاولة الحلول محل الحكومة السورية تحت رعاية رأس النظام وهما قد تقاسما المناصب الحكومية ويتنافسان على الغنيمة ( ظهر ذلك واضحا في بيان المجلس الختامي بتونس وفي نص البروتوكول الموقع بينهما ) في حين الشعب يقدم التضحيات ويبحث عن سبيل الانتصار على النظام واسقاطه وهنا توسعت فجوة الافتراق عن الشعب والثورة وبدأنا نسمع هتافات الثوار ضد الطرفين في حين كانا يستندان حتى الآن على رضاهم من جهة أخرى وهي الأخطر حسب وجهة نظري فان الطرفين ضد تفكيك دولة الاستبداد واعادة بنائها بل مع الابقاء على مؤسسات نظام الاستبداد ممايعني وجود تفاهم مسبق مع رأس النظام ومع الأطراف العربية الداعمة لهما وسقفها المرسوم في الحدث اليمني  فاذا كانت الدولة المستبدة عبارة عن شعب وأرض وسلطة فلا بد من تفكيك السلطة واعادة بنائها من جديد لمصلحة وحدة الأرض وسعادة وكرامة الشعب , أما مايتردد عن مؤتمر المعارضة السورية تحت رعاية الجامعة فان الطرفين أجهضا المشروع عندما صادرا معا ارادة الشعب السوري ونصبا نفسيهما أوصياء في حين هناك العديد من أطراف وجماعات وشخصيات المعارضة الوطنية السورية لاتقل عن الطرفين عددا وجماهيرية وتتميز عنهما بالموقف السليم والطرح الصائب والنزاهة والصدق والتاريخ النضالي ولكنها لاتتلقى الأموال من قطر وتفتقر الى رضى السيد عزمي بشارة ولاتحظى بانفتاح ادارة ومسؤولي قنالي الجزيرة والعربية وليس لها علاقات مع الأجهزة التركية والسورية والايرانية .
       ان – خديعة بروتوكول – المجلس والهيئة المفضوحة والمكشوفة للملأ تتطلب أكثر من أي وقت مضى الكثير من الحيطة والحذر وتطرح مجددا ضرورة المضي قدما في عملية انقاذ سريعة من جانب كل الحريصين على قضية الثورة والتغيير ويأتي في اللحظة الراهنة دور القائمين على ” المبادرة الوطنية لتوحيد المعارضة السورية ” للاستمرار في مشروعهم الانقاذي بانفتاح بلاحدود على الخيرين من أعضاء المجلس الذين رفضوا سلوك ( رئيسهم ! ) وأقدموا على الانسحاب وكذلك التنسيق مع مختلف التيارات والشخصيان المعارضة للالتقاء على برنامج موحد يلبي طموحات الثورة والثوار ويستجيب لضرورات المرحلة الراهنة وتحقيق شعاراتها في الاسراع بعملية اسقاط النظام واعادة بناء الدولة التعددية الحديثة .


 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي في السياسة، ليست كل المعارك تُحسم بالسلاح، فهناك انتصارات تُولد من كلمة ذكية، وموقف هادئ، وحوار يُدار بحكمة. وهنا تظهر الدبلوماسية بوصفها واحدة من أقوى أدوات التأثير، لأنها قادرة على تحقيق ما تعجز عنه القوة التقليدية مهما بلغت. الدبلوماسية ليست مجرد لقاءات رسمية أو بيانات سياسية، بل هي فن إدارة المصالح، وبناء العلاقات، واحتواء الأزمات قبل انفجارها. إنها…

عبد الجابر حبيب لم يعد الفيسبوك مساحة للتواصل الاجتماعي، وتبادل الآراء فقط، لأنه بكلِّ أسف شديد قد تحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى ساحة مفتوحة للصراعات السياسية والإيديولوجية، يزرع فيها كل طرف بذور الحقد، والكراهية ضد الطرف الآخر. وأصبح بعض الناس يتعاملون مع السياسة بوصفها معركةً شخصية، لا تقبل النقاش، ولا تحتمل الاختلاف، حتى غدا كثيرون أشبه بمحامي دفاع دائمين…

في 29 أيار 2026، ونحن نحيي الذكرى الحادية والعشرين لانطلاقة تيار مستقبل كردستان سوريا، نقف مرة أخرى عند لحظة التأسيس التي لم تكن عبارة عن حدث تنظيمي فقط ، بل تجسيداً حقيقياً لإرادة سياسية وُلدت من رحم المعاناة الكردية ومن الإيمان العميق بأن سوريا الجديدة لن تبنى إلا على قاعدة الديمقراطية والتعددية والاعتراف المتساوي بحقوق جميع مكوناتها. لقد أدرك مؤسسو…

ماهين شيخاني مقدمة: الإعلام رسالة… لا منصة للانتقام لطالما كان الإعلام الكوردي واحداً من أهم أدوات النضال، منذ صحيفة “كوردستان” عام 1898، وصولاً إلى آلاف المنصات الإلكترونية اليوم. لكن التحول الرقمي، رغم إيجابياته، فتح الباب أمام ظاهرة خطيرة: تسلل الانتهازيين والمتسلقين إلى المشهد الإعلامي، ليس لخدمة القضية، بل لتصفية حسابات شخصية وتشرعن مواقف لا أخلاقية ولا نظامية.   هذا المقال…