الأزمة السورية: أسئلة بلا أجوبة

عريب الرنتاوي

كل ما يحيط بالأزمة السورية، بات مربكاً…لم نعد نعرف بدقة حقيقة ما يجري داخل سوريا أو يدور حولها…كلما توغلنا أكثر في متابعة مختلف فصول الأزمة، كلما ازددنا تيهاً وضياعاً…وحدهم أصحاب المواقف المسبقة والقطعية، التي لا يأتيها الباطل عن يمين أو شمال، ينامون ملء جفونهم… أنصار النظام لا شيء جديد يمكن أن يحدث تعديلاً على مواقفهم وانحيازاتهم… خصوم النظام يفعلون شيئاً مماثلاً…أما نحن، معشر الكتاب والمحللين والمراقبين، فيجتاحنا قلق معرفي، لا يوازيه أو يفوقه سوى قلقنا على كل قطرة دم تنزف من عروق كل سوري يسقط مضرجأ بدمائه.
حتى “الخبر السوري” بات قضية إشكالية… نقرأ أن نائب الرئيس فاروق الشرع في موسكو يجري محادثات، بعدها بدقائق نقرأ نفياً صريحاً، لنعود فنقرأ أن الرجل عاقد العزم على زيارة موسكو لكن الترتيبات النهائية لم تتخذ بعد….

نقرأ أن أمس السبت، كان موعداً مرجحاً لتوقيع سوريا على برتوكول المراقبين، بعد أن أزيحت “العوائق النفسية” على حد وصف نبيل العربي، عن طريقها، حتى أن مصادر متفائلة، أوردت أن وليد المعلم سيكون في الدوحة بين ساعة وأخرى، وبغرض التوقيع (لا أدري لماذا الدوحة وليس القاهرة أو دمشق)، يمضي اليوم بطوله، من دون توقيع، ونقرأ لوزير خارجية قطر ما مفاده أن ملف المبادرة العربية سينقل برمته إلى مجلس الأمن، علماً بأن غير مسؤول عربي نفى أن يكون في نية الجامعة تدويل الأزمة.

اجتماع المجلس الوطني السوري في تونس، تحت رعاية الثورة والرئيس المناضل، كان هو الآخر “لغزاً محيراً” حتى للمدعوين إليه من أركان المعارضة… يعقد أو لا يعقد، متى وكيف وبأية ظروف….

لقد حار “الرفاق” واحترنا معهم، نحن الذي نتعقب كل شاردة وواردة في الملف السوري، بالغ الأهمية والحساسية.

نسمع عن شقاق وانشقاق داخل الجامعة العربية، مصر والجزائر والعراق والسودان واليمن وسلطنة عمان في واد، وبقية دول الخليج وتونس وليبيا في واد آخر….

مع أن الأنباء تحمل لنا أخباراً عن الرياض (وليس منها) تتحدث عن “مراجعة” سعودية، وأن الرياض أوفدت مدير مخابراتها الأمير مقرن لدمشق، وأنها استقبلت رئيس الاستخبارات الإيرانية حيدر مصلحي، وأن مناخات العاصمة السعودية تذهب باتجاه التمايز عن الموقف القطري الأكثر حماسة للقطع مع نظام الأسد، إن لم نقل لقطع رأسه.

ونقرأ عن الموقف التركي الذي ما فتئ يتحدث عن استبعاد الخيار العسكري أو التدخل تحت أي بند وذريعة من نوع الملاذات والممرات وحماية المدنيين، فإذا بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة، يعقد اجتماعاً طارئاً يبحث فيه آخر الاستعدادات العسكرية لمواجهة مختلف السيناريوهات، بما فيها سيناريو الحرب مع سوريا أو على حدودها، أو لاحتواء تداعيات أزمتها المتفجرة، في الوقت الذي يعلن فيه أحمد داود أوغلو أن الكلام مع الأسد ما عاد ممكناً ولا مفيداً، وأن تركيا بصدد فكفكة النظام، من خلال الاتصال المباشر مع الأقليات التي ما زالت تدعمه.

وفي ذروة الحديث عن “عسكرة الانتفاضة” يخرج علينا المرصد السوري، المتخصص بإصدار الملاحق والنشرات عن أعداد القتلى والجرحى، بخبر يفيد بأن مائتي ألف سوري خرجوا في حمص وحدها في جمعة “الجامعة العربية تقتلنا”، وأن أعداداً من السوريين قد قتلوا برصاص الأمن، في حين تطالعنا أنباء أخرى بصور وحشود لمظاهرات مؤيدة للنظام ورافضة للجامعة والتدخل والتدويل، وتنفي جملة وتفصيلاً وقوع أي قتيل يوم الجمعة الفائت.

حتى موسكو التي ظلت مع الصين تغردان خارج سرب “المجتمع الدولي”، أو بالأحرى “نادي الفيتو”، أخذتنا على حين غرة بمشروع قرار إلى مجلس الأمن، أثار من الارتياح في لندن وموسكو وواشنطن بقدر ما أثار من الارتباك والارتياب… موسكو لن تجاري واشنطن في مواقفها، بيد أنها لن تربت على ظهر فاروق الشرع حين يأتيها، الآن أو بعد قليل أو كثير من الوقت… هل نحن بصدد سيناريو التحضير للاستدارة في الموقف الروسي، وربما تحت ضغط ما حصل بعيد الانتخابات البرلمانية فيها، وتعرض الثنائي ميدفيدف – بوتين لأشمل حملات النقد والانتقاد وخسران الشعبية، داخل بلدهما وخارجه… أم أننا بصدد تكتيك “الهروب إلى الأمام”، أو اعتماد الهجوم الدبلوماسي كأفضل وسيلة للدفاع؟.

ثم، يأتيك من دمشق ما يزيدك حيرة على حيرة….

أنباء تتحدث عن حكومة وفاق وطني على طريقة حكومة باسندوا في اليمن… ألم نسمع شيئاً مماثلاً من قبل؟… ألم تتسرب أنباء عن حكومة تشكلها المعارضة، قبل أن تشهد سوريا موجة جديدة من “حروب المدن المتنقلة”… هل ثمة ما يطبخ في سوريا؟… من الذي يطبخ وماذا يطبخ، وأية نتائج يمكن أن تترتب على كل هذا وذاك وتلك؟.

المبادرة العراقية، هي الأخرى موضع تساؤل وارتباك….

هل تصرف العراق من تلقاء ذاته؟… هل حظي بضوء أخضر إيراني… هل تؤيده الدول العربية التي لم تعد تتساوق مع “الاستعجال” القطري؟… ماذا عن موقف واشنطن، حليف بغداد الرئيس الثاني؟… هل حقاً انتهت زيارة فلاح الفيّاض بنتائج إيجابية، سيحملها الرجل إلى نبيل العربي والوزراء العرب؟

كل ما يتعلق بالأزمة السورية، يندرج في سياق الأسئلة والتساؤلات والتكهنات، حتى أننا لم نعد نعرف عندما نأوي لفراشنا، ما الذي سيفاجئنا صبيحة اليوم التالي، كان الله في عون إخواننا السوريين

مركز القدس للدراسات السياسية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…