مفارقات من وحي الثورة السورية

د.زارا صالح
 

تسعة أشهر مضت وما زال أبطال الثورة السورية يقدمون صورا ملحمية من الشجاعة والتصميم بارادة ثابتة في المضي قدما نحو انهاء واسقاط نظام بات عدوانا ووحشا غريبا يفتك بالشعب ويمارس القتل بشتى صوره البشعة,سيما بعد ان ودع هذا الشعب مارد الخوف والى الابد ولن يرضى سوى بالحرية طريقا له للعيش بكرامته الانسانية التي بدأها تحت ازيز الرصاص ولن يتراجع حتى يصل الى هذا الفضاء الطبيعي لكينونته الانسانية.

هذه النزعة والرغبة القوية من قبل الشعب في الانعتاق وبطرق سلمية احرجت العالم الذي مايزال يقف عاجزا عن تقديم الحماية لهؤلاء المدنيين وفشل في تحمل مسؤوليته السياسية والاخلاقية والقانونية التي شرعنت حق الحماية خاصة وان النظام الدموي السوري تغول في ساديته عبر حرب مفتوحة أعلنها ضد شعبه.

هذا النظام الذي فقد بوصلته الانسانية وحتى القطيعية في قتل أبنائه لان هذا السلوك يتبرأ منه حتى الحيوانات التي تتكاتف وتلتف حول قائد القطيع الذي يستقتل للذود عنها,في حين ان هاجس السلطة الابدية وشبقه الجنوني بات سمة بارزة لنظام غريب فاقد شرعيا واخلاقيا لكل معاني الانتماء والوطن وهنا يبدو الاشكالية والجدلية حول مفهوم ( التدخل الخارجي ) ومن يمثل هذا الخطر والجسم الغريب بالنسبة لسوريا؟؟!! وهل كان هذا النظام البعثي الذي جاء مغتصبا للسلطة والوطن منذ خمسة عقود منتميا لهذا البلد وهل كان هناك وطن بمفهومه الطبيعي ؟؟
ان الاحداث اليومية والجرائم المرتكبة بحق الانسانية من قبل هذا النظام وأدواته تشرعن للشعب السوري ليس طلب الحماية فقط بل ضرورة التدخل السريع من قبل الجامعة العربية وكافة الهيئات الدولية لمساندة هذا الشعب المظلوم لكي يتخلص من هذه الافة المرضية وباتت عصية على العلاج بعد كل هذا القتل واخذ الشعب رهينة طيلة عقود خلت.

ولعل المفارقة العجيبة من صلب هذا النظام تكمن في محاولاته اليائسة بتقديم نفسه ( ضحية ) للعصابات المسلحة والاعداء المتربصين به ( الجلادون ) وكانت اخرها المسرحية الهزيلة والفاضحة لوزير الخارجية السوري في مؤتمره الصحفي والفيديو المنسوخ من عملية طرابلس ليثبت هذا النظام مرة اخرى مدى كذبه ونفاقه وانه آن للمجتمع الدولي ان يتحرك ويستجيب لنداء الحق نداء شعب يعاني لايملك سوى صدورا عارية واغصان زيتون والذي يمثل روح الثورة المطالب بتدخل فوري لحمايته وخلاصه من هذا النظام الدكتاتوري وهنا تكمن جوهر المسألة حول مفهوم التدخل الذي اصبح ( وثيقة حسن سلوك ووطنية فوق العادة ) للعديد من المعارضات السورية التي تردد هذه الاسطوانة غير مكترثة لنداء ومعانات الشعب السوري والابطال الذين يعيشون الحدث والثورة في الشارع السوري ويعبرون بكل صدق عن رسالة الحرية للشعب السوري بكافة مكوناته وفي مختلف البلدات والمدن السورية وعبر تنسيقيات شبابه التي ترسم ملامح سوريا المستقبل لتكون وطنا حرا ديمقراطيا تعدديا علمانيا برلمانيا .

وبناء عليه فان المعارضة السورية مطالبة اكثر الى الانصات لصوت الثورة الحقيقي وشبابها الابطال الذي يقدمون ارواحهم وفي كل يوم من اجل الحرية ويواجهون الرصاص والدبابات وكلهم هدفا واحدا وهو اسقاط هذا النظام دون الاكتراث للاجندات داخلية واقليمية تحاول خطف الثورة وتضحيات ابطالها خدمة لتلك الاهداف وهذا ما يجب تجنبه والاشارة اليه خاصة وان هناك اطراف تحاول اللعب في هذا المحور والتي لاتعبر عن اهداف الثورة وعملية التغيير الديمقراطية المرتقبة وبناء الدولة السورية التعددية التشاركية والعلمانية الضامنة لحقوق جميع المكونات ( عربا وكردا واشوريين وقوميات وطوائف اخرى ) .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…