عن العراق ..من القلب و العقل

دهام حسن
Daham46@hotmail.com

يعيش العراق مأساة ، كارثة إنسانية , تتجدد مشاهدها المفجعة كل يوم ..

أما آن لهذا الشعب المنكوب أن يستريح ؟ بعد ليل سرمدي من الظلم والظلام ؛ هل كتب عليه أن يضحي ، أن ينزف ليل نهار فحسـب ؟ وتظل قواه الوطنية عرضة للنهش والتجريح .ألا ينبغي  لهذه الأقلام أن تكف عن التنظير بالشؤون العراقية بما يحلو لها ويتراءى من بعيد ؟ فاقل ما يقال في أصحاب هذه الأقلام أنهم ليسوا عراقيين ، أكثر من أبناء الرافدين .

هل يحق لنا أن نزايد على هذا الشعب بمسألة القومية  والوطنية ؟ هل يحق  لنا أن نفكر بدلا عنه وننظر ونخطط  في مسائله الداخلية ؟  من منا عاش مأساة هذا الشعب حتى يعطي لنفسه حق التحليل والتنظير أقل ما يقال فيها هو التدخل بشؤون العراق الداخلية ؟ تحليلات تلفها رؤية ضبابية وتحكمها  أفكار مسبقة ، أفكار مفبركة إيديولوجيا ..

دعوا هذا الشعب يلملم جراحه ، دعوه  بمبادراته  الداخلية ، يدير شؤونه ، ويقرر مستقبله ، هو أدرى بماله وبما عليه أن يفعله ، وهل هناك  أدرى  من أهل مكة بشعابها ؟

لقد وصل عدد المقابر الجماعية المكتشفة إلى ما يقرب من ثلاثمائة مقبرة ؛ شاهدناها كشريط  لمسلسل  تلفزيوني لا تنتهي   حلقاته ؛ تأثرنا  قليلا  أو كثيرا ، لكن  سرعان ما  انشغلنا بأمورنا وهمومنا ، هل فكرنا مليا بهؤلاء الضحايا كيف قضوا؟ ولماذا هذا المآل الفاجعة كان مصيرهم ؟ ماذا حل بأطفالهم من بعدهم ؟ كيف عاشوا ، وتربوا، وكبروا ؟ لقد وأدت أحلامهم ، لقد حرموا من  دفء حنان الأم ، وحدب  ورعاية  الأب ؛ هؤلاء  كانوا  يحلمون كأترابهم  بقلم  ودفتر  ومقعد مدرسي … ما حال الثكالى والأرامل واليتامى ؟ ما الجرم الذي ارتكبه هؤلاء الصبية ، والأطفال  وحتى الرضع  لكي يدفنوا في هذه المقابر ؟ آلاف القرى هدمت على رؤوس أصحابها من الأكراد ،  حولت إلى أنقاض ، وسويت بالأرض ، وفي كل قرية غالبا ما بني مسجد و مدرسة..

هذا ما فعله  الرئيس المؤمن ، محب العلم والعلماء في حروبه المقدسة منها الأنفال بحق الشعب الكردي ؛ هل فكرنا  بأهالي  تلك القرى .

التي  أزيلت عن بكرة أبيها ، وسويت بالأرض كما أسلفنا،ما أخبارهم ؟ أين حلوا ورحلوا ؟ ربما بيعت  الصبايا  في سوق  النخاسة ، وأعدم  الشباب ، ودعي  المسنون  ليؤدوا  أدوارا تمثيلية بين تباح ونهيق ! هل أرقنا ذلك المشهد المأساوي المفجع ، ضحايا الأسلحة الكيميائية ؟ حيث  كنت  ترى  الأطفال يفرون فرقا وعلى وجههم يهيمون ، فلم يجدوا غير أحضان أمهاتهم ملاذا آمنا، فرقدوا مع أمهاتهم رقدتهم الأبدية الأخيرة
كل هذا يمر أمامنا كشريط سينمائي كما بينا  آنفا ، والشعب العراقي المنكوب في قلب هذه المأساة ، لا يغفل عنها اليوم ولن ينساها أبدا  لما خلفته تلك المأساة من آلام وتداعيات وكلوم لن تندمل بسهولة ..
هل شاهدنا قصور شهريار بلياليها الملاح  ، تعج بالضحايا ، وعلى الأريكة يفح سادي كالأفعى ، يتلذذ بهتك الستور؟ أما لامست أسماعنا ونخوتنا استغاثة تلك الحرة لما عانت وقاست من عذابات وانتهاكات تقشعر لها الأبدان ويشيب  لهـا الولدان ؟ بعد هذا ! .هل يحق لنا نحن المراقبين من خارج الحدود،أن نفكر بدلا عن هذا الشعب ، وننظر عنه , ونتفلسف على حسابه ، ونخطئه ونترحم على القتلة واللصوص ؟..

إذا ما تجاوزنا هذا التناول الوجداني لهذه المأساة , واحتكمنا إلى منطق العقل ، باعتقادي  أن العقل  والوجدان  لن يختلفا في الحكم القاسي على النظام  البائد ، وبأنه كان نظاما لعصابة من المارقين .

بل قل وكرا للمجرمين  مثل هذا النظام  لا يمكن أن يترحم عليه أي متابع منصف .

ثماني سنوات من حرب عبثية ضد  إيران، أي ما يقارب ضعف فترة الحرب العالمية الأولى ، والحصيلة كانت عشرات الآلاف من الضحايا ، بل قل مئات الآلاف .

ثم كان غزو الكويت وما رافقه من سطو على البيوت ن ونهب مقتنياتها ، وأسر الأهالي وسوقهم إلى العراق ،وتصفيتهم فيما بعد على مايرجح.

ألم نقل بأنهم عصابة من المجرمين القتلة ، واللصوص ؟ ثم .

لماذا سقط النظام  بهذه السهولة ؟ رغم ما أشيع عن تمتعه بقوة عسكرية هائلة ، وأخطبوط أمني مرعب ؟ السبب هو أن النظام كان في واد ، والشعب في واد آخر ؛ لقد كان النظام آفة كارثة على الشعب العراقي ، وحربا على دول الجوار ، فخذله الشعب , وهذا هو المتوقع أبدا ، وهذا هو المصير المتوقع لكل طاغية ، عندما تحل ساعة الحساب .

رغم ما زال لدى البعض أوهام معلقة على هؤلاء القتلة ، يمنون أنفسهم بعودة عقارب الساعة إلى الوراء ، لهذا فهم يخلعون على هؤلاء المجرمين القتلة رداء المقاومة .

هذه هي السياسة البراغماتية لا مبادئ ، لا قيم ..
إن الشعب العراقي الباسل ، الذي تخلص من النظام  السابق ن لقادر أن يتعامل مع قوى التحالف لإنهاء  تواجـده إما عبر التفاهم مع الحكومة العراقية ، أومن خلال  معارضة وطنية منظمة ، تعلن عن هويتها الوطنية ، وتجهر ببرنامجها النضالي ، ولا تعمل في الظلام ..

لابد من النضال الجاد والحثيث ، لكي تعود سيادة العراق للعراقيين كاملة غير منقوصة ، يرسم الشعب العراقي مستقبله ، ويقرر شكل الحكم  الذي يرتضيه وخريطة بلده  دون وصاية أو تدخل ؛ ليشهد العالم ميلاد عراق جديد ـ وطن حر وشعب سعيد – وإن غدا لناظره قريب …


 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…