البعث و( أخواتها )

الدكتور عبد الحكيم بشار

كانت سوريا كدولة تعيش حياة ديمقراطية وبرلمانية مقبولة قبل الانقلابات العسكرية وقبل ابتلائها بحزب البعث الذي وصل إلى سدة الحكم بانقلاب عسكري عام 1963 في 8 آذار وسيظل الشعب السوري وأجياله القادمة يتذكرونه كيوم أسود في تاريخ سوريا لأن مع وصول البعث انتهت الديمقراطية والحياة البرلمانية في سوريا وبدأ عهد أسود قوامه القمع والتنكيل والبطش والاعتقالات التعسفية وتقسيم المواطنين إلى درجات وفئات وشرائح حسب اقترابها وبعدها عن الحزب الحاكم ، وبدأ تغير جذري في مفهوم الدولة ، ولم تعد الدولة قائمة على أساس عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم يتنازل فيه المحكوم عن جزء من سيادته وحريته للسلطة مقابل أن تؤمن له السلطة الأمان والاطمئنان والحرية والكرامة وتحافظ على حقوقه وتصونها وتوفر له سبل العيش الكريم .
إلا أن البعث وبحكم طبيعته الشمولية الاستبدادية بدل مفهوم الدولة المتعارف عليه في الفلسفة وعلم الاجتماع ليختزلها في الحزب الحاكم والفرد الحاكم ، فباتت كل المؤسسات التي يفترض أن تعمل وفق نظام داخلي خاص وتملك درجة كبيرة من الاستقلالية باتت جميع مؤسسات  الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية مرهونة بإدارة البعث ومختزلة في نظامه الداخلي حتى بات شعار دولة البعث نراه في عشرات المواقع وعلى مئات اللافتات ، فشوه حزب البعث بذلك أهم ركيزتين من ركائز الدولة والمجتمع :
1- تشويه مفهوم المواطنة والتي بات اقترابها من سياسة الحزب الحاكم هو المقياس للمواطنة .
2- تشويه مفهوم الدولة باختزال جميع مؤسساتها في مؤسسة الحزب الحاكم .
إن هذا الواقع المر والأليم الذي حلفه حزب البعث والذي لم يرى فيها المواطن سوى الذل والإهانة وفقدان الكرامة ومصادرة الحريات العامة والخاصة وحتى فرص العمل والعيش الآمن بات مرهوناً بإرادة الحزب وأجهزته الأمنية والتي انقلبت عليه لتصبح هي الحاكم والبعث يعمل لديها .
إن هذا الواقع الأسود الذي عاشه السوريون خلال عقود من الزمن في ظل حزب شمولي والذي باتت أركانه تهتز تحت وقع الثورة السورية والتي لابد أن تكلل بالنصر إزاء هكذا واقع مفصلي يجب على السوريين إدراك حقيقة ساطعة لاجدال فيها أن الأحزاب الشمولية سواء كانت الموالية للسلطة والمتمثلة في ما يسمى الجبهة الوطنية التقدمية أو المعارضة لها بشدة سواء كانت تنظيمات دينية والتي تمثلها الاتجاهات المتشددة  الاخوان المسلمون أو التنظيمات القومية الشوفينية ذات الطابع العروبي .
إن تلك التنظيمات ورغم اختلافها مع حزب البعث في الكثير من الجوانب إلى درجة التناقض ورغم الصراع الذي نشب بينها وبين البعث إلا أن ثمة نقطة جوهرية تتطابق فيها تلك الأطراف وهي الشمولية والاستبداد ورفض الآخر المختلف من حيث المبدأ رغم التظاهر بعدم ذلك .
ولذلك فإن تلك التنظيمات من حيث طبيعة الحكم الذي تسعى إلى ممارسته في الدولة ستكون مشابهة إلى درجة التطابق مع نظام البعث الحالي وهي في الحقيقة تنظيمات أخوات لحزب البعث من حيث طريقة فهمها لنظام الحكم في الدولة وطريقة إدارتها ، وكذلك طريقة التعامل مع المجتمع ومع المواطنين من حيث تقسيمهم إلى درجات وفئات وشرائح كما فعها حزب البعث .
لذلك على الثورة السورية واجب إحداث تغيير حقيقي وجذري في سوريا تغيير يحقق الانتقال من الاستبداد والشمولية إلى الديمقراطية الحقيقية إلى دولة علمانية برلمانية تعددية تحقق المساواة في الحقوق والواجبات وتقر الواقع التعددي لسوريا دستورياً ، فالثورة ضد السلطة الحاكمة يجب ألا تكون صراعاً من أجل السلطة وتغيير نظام شمولي بنظام شمولي آخر لا أن يتم إزاحة البعث ويأتي بأخواتها بل يقتضي الأمر رفض عودة أي شكل من أشكال الاستبداد والشمولية والتي تمثلها التنظيمات ذات الفكر الشمولي .
 
14/11/2011

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…